Logo

القلم يبكي والحبر يستغيث

من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر

الدكتور داهش والداهشيَّة

Archive By Dr. Ghazi Brax

قصصٌ غريبة وأساطيرٌ عجيبة

الكوكب فومالزاب -

      واقترب الكوكب فومالزاب من الكرة الأرضية التي يقطنها البشر، وأصبح على مسافة عام من النور(1) منها. وهذا الكوكب بلغ من الحضارة الشأو الأعلى.وهو يقترب من الأرض كل مليار عام.ويمكث بمركزه الجديد عاماً كاملاً ثم يعود إلى مركزه السابق.

      وقد أمر إمبراطور الكوكب أن تجهز السفن الكونية الثلاث لتذهب إلى الأرض. فالكوكب عندما تنتهي مدة اقترابه من كوكب الأرض ويعود إلى مركزه الكونيّ،تحتاج المركبة التي تسير بسرعة النور لتصل إليه ملياراً ونصف مليار عام. وفي كل مليارين من الأعوام يعود فيقترب من كوكب الأرض فيصبح على بعد عام من النور عنه.

      وجهزت المراكب الثلاث. فالأولى تحمل على متنها 200 رجل. والمركبة الثانية وضعت بداخلها الآلات الإلكترونية التي يمكن أن يتصل بواسطتها رجال السفينة بكوكبهم الحبيب،كما يستطيعون أن يشاهدوا بعضهم بعضاً بأثناء المخابرة الكونية.كما وضعت بها آلات مُعقدة تُستَخدم لدكّ الجبال وترديمها،إذ لزم الأمر، ولحفرِ أعماقٍ سحيقة. وغيرها من الآلات الصغيرة بحجمها الكبير بفعلها، فهي تستطيع أن ترفع أثقالاً هائلة بينما هي بعيدة عن هذه الأثقال، إذ تكفي لمسة على الجهاز العجيب ليتمُّ رفع تلك الأثقال لإرتفاعات شاهقة.

      أما المركبة الثالثة فقد وضعت فيها الأجهزة التي تصنع بها الأطعمة بمختلف أنواعها. فهذه الآلات العلمية الدقيقة بإمكانها أن تحيل ما يوضع في داخل الأوعية من قشورٍ ونفاياتٍ لطعامٍ لذيذٍ بدقيقةٍ واحدة. إذ تتحوَّل النفايات إلى كتلةٍ كالعجين يكيّفها الجهاز لأرغفة جاهزة للطعام تتَّخذ طعماً لذيذاً للغاية. كما يستطيع هذا الجهاز الإلكتروني أن ينوّع مذاق الأطعمة حسبما يُراد لها أن تكون. وقد ثُبِّت بهذه المركبة أيضاً جهاز يجعل الطقس حاراً أو بارداً،كما يستطاع أن يبقي الطقس صحواً أو ممطراً. وكذلك وُضع فيها جهاز كعربة تستوعب ستة رجال كوكبيين، وتسير بهم بسرعة على الأرض أو الماء أو بالفضاء.

      وجهزت المركبات الفضائيَّة الثلاث، وأديرت مُحركاتها دون أن يصدر عنها صوت وكلٌّ منها بطوابق ستة.

      وقد اجتمع عليَّة القوم والمسؤولين من رجال الحكم ليودعوا الراحلين. وانطلقت المركبات بسرعة هائلة وإذا بها تغيب عن الأنظار.

      وكلّ مركبة كونيَّة يقودها أربعة قباطنة، إذ هي مستطيلة كالقلم، لكن داخلها لولبيّ. فيجلس القائد وهو مُمسك بعصا القيادة، وكذلك بنهاية المركبة قائد آخر، وعلى جانبيها الأيمن والأيسر القائدان الآخران. وأمام كلّ منهم نافذة عليها مادَّة شفَّافة لا يستطيع الرصاص أو ما هو أشدّ مفعولاً منه أن يخترقها، ومنه يشاهد القادة طريقهم.

      إذاً المركبة يقودها أربعة رجال، ولكن بانتظام. فالقائد الأساسي هو احدهم. وإذا لزم الأمر أن تتجه المركبة إلى الناحية اليمنى، فمن الصعوبة أن يتمَّ اتجاهها وهي تسير بسرعة النور، فبمحاولتها للإتجاه إلى الناحية اليمنى تكون قد قطعت مئات الآلاف من الأميال وأصبحت بعيدة عن هدفها. فوالحالة هذه، يُضاء نورٌ بنفسجيٌّ أمام القائد الذي يجلس على الميمنة، فيقودها فوراً لاتجاهها الصحيح. وإذا كان الهدف الناحية اليسرى، أُضيء النور البنفسجي أمام الجالس من تلك الناحية فيقودها فوراً، بينما تُطفأ محركات الرأس الأمامي والخلفي والجانب الأيمن. وإذا أريد أن تسير المركبة باتجاه معاكس لتبلغ هدفها، تعطى إشارة الضوء البنفسجي للقائد الجالس هناك فيقودها لهدفها.

      كان الرجال المئتان يصغون لموسيقى كوكبهم المشنِّفة للآذان وهم يشاهدون البرنامج أيضاً.بينما سفينتهم تسير بسرعتها الخارقة التي تعجز عنها اختراعات الأرض.

      الرجال أقزام. فارتفاع الطويل منهم 35 سنتيميتراً. لكن لديهم طاقة مُذهلة.فالقزم منهم يستطيع أن يرفع أثقالاً يعجز عنها عشرة رجال من رجال الأرض!

      أما حديثهم فيتمُّ بواسطة النفخ. فعندما يتحدثون ينفخون حيناً بأفواههم وحيناً بأنوفهم، وهذه النفخات تؤلف لغتهم الكوكبية. ومنها الصفير المتنوع فهو تتمَّة اللغة الفومالزابية.

      أما عيونهم فحجمها كرأس المسمار، وسرعتهم بالركض والقفز خارقة، وآذانهم مستطيلة، وبقدرِ استطالة الأذن يكون ذكاء المرء أو عدمه. فمن تستطيل أذنه حتى تبلغ الأرض-رجلاً كان أم امرأة-فذكاؤه عجيب، وهو محترمٌ للغاية.

      امرأة واحدة فقط رافقتهم، وهي زوجة رئيس الحملة، وقامتها 30 سم. وهي تعتبر من المُلسنات، فحديثها النفخي لا يجارى، وهي مُثقَّفة رغم صغر سنها، فهي في عامها الألفي، أي في ربيع عمرها وزهرة صباها فسكان فومالزاب يعمّر كل منهم 6000 عام. ومديدو الحياة-وهم قلَّة-تمتدُّ أعمارهم حتى السبعة آآلاف من الأعوام.

      والمرأة بطبيعتها تحب الزينة. لهذا كانت زوجة قائد الحملة تنفث بفمها من جهاز صغير بطول الإصبع، فتخرج منه مادَّة تتَّخذ شكل دائرة تستطيع أن تشاهد فيها وجهها. ثم تذوب هذه الدائرة في الفضاء وتتلاشى المرآة.

      أما زوجها فعمره 2000 عام وهو أقلّ ثقافة منها. وقد حاول منعها من مرافقته، ولكنه لم يستطع أن يفرض إرادته عليها، فهو متأكد أن الرجال يستميتون في سبيلها، وكلٌّ منهم يتمنَّى أن تكون زوجة له إذا انفصل عنها، والسعيد منهم من تختاره. ولهذا رضخ لرغبتها، فرافقت الحملة. وكان جميع من في المركبة ينفذون رغباتها فوراً والسرور يغمرهم إذ أسرتهم بأنوثتها البادية للعيان.

      عاماً كاملاً أمضته السفن وهي تقطع محيطات الفضاء وأوقيانوساته بسرعة النور. وكانوا بأجهزتهم الدقيقة المذهلة يشاهدون الأرض وما يجري فيها من خيرٍ وشر.

      كما كانت أجهزتهم العلمية الخارقة تتيح لهم أن يأخذوا نسخاً عن الصحف اليومية والأسبوعية والكتب التي تصدرها المطابع. وكان جهاز الكتروني يترجمها للغة كوكبهم فومالزاب. فيطالعون ما خطَّته أقلام أهل الأرض، وهو لا يضارع آدابهم الرفيعة وثقافتهم العالية.

      وكانت سافاليا زوجة رئيس الحملة تقضي أكثر أوقاتها في الحديقة حيث تجلس بين ورود كوكب فومالزاب العجيبة الأشكال تقطف منها باقة عطرة، وتشبك وردة بشعرها لتشبع غرورها النسائي. وكانت الحديقة تضمُّ عدداً كبيراً من أشجار الكوكب الغريبة المنظر والعطرية الرائحة. وكانت سافاليا تصغي لتغريد طيور زرقاء وكحلية وإسمانجونية وقوس قزحية، وكان صدحها وكأنه موسيقى تعزفها السماء. وفي أحد الأيام استخفَّها الطرب وهي تجلس بين الأزهار بحديقة المركبة الكونية،كانت بلابل الكوكب ذات الألوان المتعدِّدة تغرِّد أغاريد البهجة وهي تتنقل على الأغصان الملوَّنة أيضاً، فأنشدت سافاليا النشيد التالي:

أنا سافاليا الجميلة

تحملني المركبة ياتانيا منطلقةً بي بسرعة النور

وانا أجلس في جنَّةٍ مُصغَّرة تمثل جنَّات فومالزاب كوكبي المفدَّى،

تحيط بي مجموعة من ورود وأزهار جمالها عجيب غريب.

وبلابل كوكبي ينشدنني أغاريدهنّ العذبة،

تشاركهنّ طيور بلادي التي اشتقت إلى ربوعها المُذهلة الفتنة.

وأنا اودُّ ان أبلغ كوكب الأرض،

لأشاهد عالماً غير عالمي العظيم،

جائبة رحابه طاوية سهوله، مخترقة جباله،هابطة أوديته.

ثم يحدوني الشوق للعودة إلى مدينة أحلامي فومالزاب

فأطير إليها بخيالي، ثم تحلّق بي ياتانيا،

عائدة بي إلى وطني الحبيب،

حيث ولدت وحيث سأموت وأدفن بربوعه المقدَّسة.

      كان الإتفاق قد تمَّ على المكان الذي سيهبطون فيه، وقد اقتربوا منه وكانوا على ارتفاع عشرين مليوناً من الأميال فوقه. وإذ ذاك أوقف القائد محركات السفينة وكذلك السفينتين الأخريين، وأشعلوا محركات أخرى سرعتها عادية، وابتدأوا بالهبوط.أخيراً، استقرُّوا في سهلٍ ممتد المسافات.

      وصادف دقيقة هبوطهم مرور قافلة من الجمال، ففغر رجال القافلة أفواههم عجباً مما شاهدوه، واقتربوا من مكان المركبات، وإذا بهم يتطايرون بالفضاء.

      وشاهدوا رجالاً قصار القامة ينفخون باستمرار بقوة وعصبية، وفهموا من نفخهم وإشاراتهم اليدوية أنهم يطلبون منهم الابتعاد فوراً. فولوا الأدبار، والخوف قد هزهم هزاً.

      وتوقفت المحركات، وضغط قائد المركبة الأم على جهاز داخليّ، وإذا بقبةٍ كالخيمة من المعدن تظلِّل المركبة، وكذلك فعل الفائدان الآخران بمركبتيهما.

       وتجمهر أهل القرية لمشاهدة أعجب ما يمكن أن تشاهده العيون، والدهشة مرسومة على وجوههم. وذهب عدد من رجال السفينة إلى غابة تبعد عن مكان استقرارهم، نصف ساعة. ورافقتهم جماهير من أهل القرية. وقد ارتقى رجال الكوكب الأشجار، وامتشقوا أوراقها وطلبوا بالإشارة من الجمهور أن يفعل فعلهم. فصعدوا الأشجار وجرَّدوا الأغصان من أوراقها، ووضعت الاوراق ضمن اوعية عميقة. ثم سلّط الأقزام عليها أشعة خضراء من آلة صغيرة، فتحوَّلت أوراق الأشجار إلى عجين قُطِّعَ كأرغفة. فأكلوا منها وأطعموا أهل القرية الذين ذُهلوا من هذه الخارقة، كما استطابوا ما أكلوه للغاية.

      أما الماء فكانوا يضعون الوعاء، ويسلطون عليه أشعة صفراء، فيمتلئ بماءٍ صافٍ مذاقه كماء الينابيع الجبلية. وبإمكان هذا الجهاز أن يدع الماء بارداً جداً أو في غاية السخونة.

وكان كل قزم يحمل بيده عصا طولها 31 سم، وثخانتها 20 سم، وبأعلاها فتحة صغيرة وفي أسفلها ثبتت عجلات ككلل الأولاد. وهذه العصيّ المعدنية مجوفة. وقد دخل كل قزم في عصاه، فإذا بهذه العصي تسابق الريح، فهي مراكب عجيبة غريبة، وعادوا بها حيث تقف مركباتهم الفضائية مخلفين أهل القرية والعجب الشديد قد استبدَّ بهم أيَّما استبداد.

      واختار رجال الكوكب فومالزاب سهلاً شاسعاً في تلك القرية. وركزوا آلاتهم الالكترونية، ثم باشروا في الأسبوع الأول من وصولهم إلى كوكب الأرض، بناء هيكل عظيم تخليداً لزيارتهم للأرض. وقد حوَّلوا أكواماً من تلالِ الرمال والحجارة إلى معجونة بواسطة آلاتهم الالكترونية. ثم قطَّعوها بقياساتٍ مختلفة اختاروها ونفَّذوا فكرتهم فجعلوا منها أعمدة ضخمة للغاية، ومنها حجارة مختلفة الأحجام. ورفعوا هذه الأعمدة بآلاتهم العجيبة، فإذا هي مُنتصبة شامخة تناطح السحاب. وثبَّتوا على قمة كل عمود منها تاجاً حجرياً هائل الضخامة والثقل.

    ثم سقفوه بحجارة متداخلة بعضها ببعض، فأصبحت كأنها قطعة واحدة لا انفصام فيها.كما أقاموا سوراً مرتفعاً حول الهيكل العظيم، ووضعوا أعلاه بضعة حجارة هائلة الطول والعرض، وتركوا حجراً ضخماً للغاية من المعجونة التي صيغت من الرمال والحجارة، وأبقوه بمكانه، وهو يعرف الآن بحجر الحامل، إذ لا يزال مُلقى منذ ذلك العهد السحيق. وقد أنهوا بناء الهيكل بخلال شهر. فآلاتهم الإلكترونية تقوم بالعجائب والخوارق.

      كذلك تزوج عدد منهم من بنات الأرض.وبعد رحيلهم ولد لهم بنون وبنات.

      وبعد مضي ستة أشهر على وصولهم صعد الرجال الأقزام إلى مركباتهم الفضائية الكونية واجتمع أهل القرية بأكملها لوداعهم وكانوا قد تعلموا طريقة حديثهم النفخي لكثرة الاستمرار.كما تعلم رجال الكوكب بضع كلمات أرضيَّة.

      واشتعلت محركات المركبات الكونية، وبلمحةٍ خاطفة اعتلت الفضاء، ولسرعتها الهائلة غابت عن الأنظار.

      ذهبوا عائدين إلى كوكبهم الموغل في الأبعاد اللانهائيَّة مُخلفين وراءهم قلعة بعلبك الشهيرة شامخة تتحدَّى الزمان، وهي كشاهد على زيارتهم لكوكبنا الأرضي.

نيويورك الساعة 2 و 25 دقيقة

بعد ظهر 29/3/1977

 

 

إقرأ أكثر

مُختارات

سلام -

سلامٌ على ذلك العالم الروحيّ المُضيء الخالد!

سلامٌ على تلك الأنوار الدائمة السطوع!

سلامٌ على ذلك المجد الإلهيّ الفائق البهاء!

سلامٌ على تلك الديار التي احنُّ إليها أبداً!

سلامٌ على ذلك الملأ السرمديّ الطاهر!

سلامٌ على قاطنيه الأبرار، المعاينين  انواره الباهرة السنيّة!

سلامٌ على العالم المجهول الذي لا خباء له و لا افول!

سلامٌ على تلك الأماكن الأرجة العبير!

سلامٌ على من مكَّنتهم قدسيتهم

من ولوج ذلك المكان الحصين الامين!

سلامٌ على من اضُّطهدوا و عذِّبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة!

سلامٌ على من ذاقوا الهوان، و شربوا كأسه المريرة حتى ثمالتها!

سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأزلِ إلى الأبد!

سلامٌ أنثره على هذا الطرس

من قلبٍ كسيرِ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزق!

سلامٌ على عالمٍ غير عالمنا الماديِّ المرذول!

سلامٌ عبقٌ فوَّاحٌ عطري، لا ماديٌّ موبوء قذر!

سلامٌ أبديّ إلى أحكامه العادلة النافذة!

سلامٌ من عالمي الحقير هذا،

أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي!

سلامٌ من مسكينٍ ملأ الكون بآثامه،

وهو يضرع إلى الله أن يغفرَ له آثامه تلك، و أن يسعَه بمراحمِه التي شملت الكائنات و طغت عليها.

نعم، سلامٌ، سلامٌ، سلام!

باريس، في 23 نيسان 1935

 

إقرأ أكثر

دراسات وأبحاث

نقد السحر و فضح اساليب الشعوذة -

من الأبحاث ما لا يخاطب الاّ من استقام فيهم الفهم وصحة النفس معا” . ذلك بأن الفهم يقتضي منه حدّ أدنى لادراك الحقائق ، وفقدان الصحة النفسيّة يخلّ التوازن في الحكم والرؤية فيغشي البصيرة وان سلم البصر . فالذين عقولهم ما تزال في الآقمطة، والذين نفوسهم ما برحت مهترئة متصدّئة ، الجبناء المتشبّثون بماضيهم يخافون تشييعه فيؤثرون المشي وراء جنازة ذواتهم ، والكسيحة نفوسهم تسمّرهم باللحظة الراهنة فيعجزون عن الحلم بالارتقاء ، هؤلاء جميعا” لن تتنزّل في أفواههم ، وان جائعة ، أية ثمرة تلقيها يدي ، لأنهم سيرتعشون ، لضعفهم ، أمام بروق الحقّ ، ويتساقطون تحت جلجلة رعوده كذباب مصعوق . فالحقيقة التي ستحملها يميني هي نار صاهرة تذوّب من النفوس غشّها وتنقي جوهرها ، ومطرقة قاهرة ، وأن هوت لم يصمد في امتحانها الاّ الأقوياء ، واندكّت تحت ضرباتها جبال الخرافات وأبراج الأوهام وحصون الضلال التي أهلها الناس منذ آلآف السنين وما زال معظمهم يأهلها .

          انه ايمان الكثيرين ، من الجهلة و”المثقّفين” الساذجين ، بالسحر ، وأعتقادهم أنه يقوم على قوّة خفيّة مبثوثة في الطبيعة ، مجهولة الهويّة ، ان خوطبت بالتعازيم ، انصاعت للاجئين اليها تنفّذ أوامرهم ، وتخوّلهم علم الغيب واجتراح الخوارق والسيطرة على الناس والحيوان والأشياء بالرقى والأحجية وغيرها من غريب الوسائل ، وأنه ايمان الكثيرين ، من البسطاء و”المثقّفين” الجاهلين ، بتوابع السحر اللابسة قناعا” جذّابا” حديثا” ، والمتنكّرة بثياب العلم ، وهي منه براء ، واعتقادهم وجود قوّة حقيقيّة ماديّة أو نفسيّة ، تتمتّع بها جماعة من الناس ، فتتيح لهم مناجاة الأرواح ، وصنع المعجزات ، وقراءة الأفكار ، والسيطرة على الآخرين باليحاء والتنويم المغنطيسي وكشف حاضرهم وغدهم والتحكّم بمصيرهم .

          تلك الأباطيل ، لئن كان ما يبرّر منشأها وذيوعها في العصور السالفة عجز العقول ، عامة ، عن النفاذ الى كنه الأشياء وأغوار الحقائق ، وطفولة العلوم الصحيحة ، وأختلاط الأديان البدائيّة بالخرافات ، فما الذي يبرّر استمرارها في هذا العصر ، حيث العقول تتسابق الى استجلاء المجهول وهتك أقنعة الوهم ، وحيث نهوض الأمم بات رهن قدرتها على رفض تراث التخلّف والضلال !

          فمع أن السماء لم تمطر قط بفعل تعازيم “السحرة” ، والأخطار لم تصدّ قطعا” بقوّة تعاويذهم ، ولم تقبل أيّة امرأة ، طيّعة ، الى الراغب فيها ، بمجرّد تحريك عصاهم “السحريّة” ، مع أن السحرة وسائر الدجّالين من مناجي الأرواح والفلكيين ، و “الروحانيين” والعرّافين ، والمنوّمين المغنطيسيين ، تظهر أكاذيبهم وتفضح أخاديعهم أمام عيون المستنيرين ، من جيل الى جيل ، فلماذا يستمرّ الأيمان بالسحر وملحقاته المستحدثة ، لدى معظم الناس ، وفي كل عصر ، وكل مصر ، حتى لا يسلم من اغوائه بعض المفكّرين  أنفسهم !

           الجواب هو أن السحر ومتفرّعاته الجديدة لا يستمر ذيوعها ، ممارسة واعتقادا” ، من جرّاء قوّة حقيقيّة كامنة فيها ، انما لأن عناصر مختلفة وعوامل متعددة ترافق وجودها وتعمل على تعزيز بقائها ، وأهمّها :

      أولا” ، عامل الجهل والتخلّف العقلي .

      ثانيا”، عامل الأنحطاط الروحيّ والأنحراف الديني .

      ثالثا”، عامل الفقر والشقاء والأنحلال الأجتماعي .

      رابعا”، العامل النفسيّ أللشعوري .

      خامسا”، عامل القلق والخوف أمام المجهول .

      سادسا”، عامل المهارة والأستغلال والسعي وراء المال .

      سابعا” ، عامل الكذب في نسج الأخبار ، والتحريف أو المبالغة في روايتها ، وسرعة التصديق ، دونما تثبّت ، لما يقال .

      هذه العوامل سنتناول كلا” منها بدراسة وافية ، معزّزين آراءنا ببراهين نستقيها من التاريخ ، وعلم الأجتماع ، والفلسفة ، وعلم الأنسان والسلالات ، والكتب المقدّسة ، وعلم النفس ، وكل مصدر علمي موثوق ، حتى اذا ما أنهينا عرضها ، عمدنا الى كل وجه من وجوه السحر القديمة والمستجدّة المسماة “الباراسيكولوجيا” Parapsychology   وأظهرنا بالحجّة الدامغة والوقائع الحيّة زيفها وفسادها .

      وانما دفعنا الى هذا العمل وعينا خطورة الأيمان بالخرافات والتعلّق بالترهات والعواقب الوخيمة الناتجة عن ذلك . اذ لا نهوض للأمم بغير نهوض العقل ، ولا رقيّ للعقل الاّ بتحريره من قيود الجهل والظلام وانقاذه من عبوديّة الأوهام .

عامل الجهل والتخلّف العقلي

       يقول العالم الألماني الكبير ألبرت أينشتاين : ” ان التنقيب العلمي يمكنه   بتعزيزه الفكرة السببيّة والرؤية الشاملة ، أن يضعف الايمان بالخرافات ” (1)

      وانه لأمر أكيد أن الايمان بالسحر وتوابعه ، اذ تفشّى في شعب من الشعوب أقعده عن التقدّم الحضاري ، وأوهن فيه قدرة البحث العلمي ، وقيّده في سجن العجز والغباوة . شاهدنا على ذلك هو التاريخ . فالشعوب القديمة كلّها كانت في طفولاتها مرتعا” للايمان بالقوى السحريّة ، وبقدر ما كانت تزداد علما” وتشتدّ حضارة ، كان ظلّ الأشباح والشياطين والسحرة يتقلّص عنها ، فتحلّ التأويلات العلميّة ، القائمة على ادراك الترابط السببي لظواهر الطبيعة وجريان الأحداث ، محل التأويلات الخرافيّة (2)

      ولفتة منّا الى عصرنا الحاضر تُرينا كيف تتفاوت مستويات الشعوب المدنيّة والأدراكيّة تفاوت الإيمان بالقوى السحريّة في أبناءها . فالشعوب الأفريقيّة الجنوبيّة ، والقبائل الهنديّة الأميركيّة ، وسكان استراليا البدائيون ما يزال اعتقاد السحر يعمّ جميع أفرادهم . بينما نرى أن أهالي الهند ودول أميركا الجنوبيّة والشعوب العربيّة ، خاصة المتخلّفة منها ، يشمل اعتقاد السحر أكثريّتهم الساحقة (3) . أمّا الأمم الأوروبيّة والأنجلو- أميركيّة فتهبط نسبة المؤمنين بوجوه السحر القديمة هبوطا” ملموسا” ، ليبرز لدى الكثيرين ايمان بمتفرّعات السحر الحديثة التي يطلقون عليها اسم الباراسيكولوجيا Parapychologie  (4). وهذه ، الفئة الأخيرة ، يستوي الأتحاد السوفييتي في طليعتها ، وذلك لأسباب أهمّها ثلاثة :

أولها ارتفاع المستوى الثقافي العام في مجمل الشعب ، وثانيها الحيلولة دون متاجرة رجال الدين بالشياطين وأشباحهم ، وثالثها منع الحكّام فنون الشعوذة والأحتيال . وهكذا حيث يشتدّ العقل والعلم والنظام تتضاءل اعتقادات السحر بقطع السبيل على الجهل والاستغلال .

         وحسبنا أن نجري مقابلة سريعة بين الأمم المتفوّقة في عصرنا الحاضر ، كالاتحاد السوفييتي  والولايات المتّحدة الأميركيّة ، والشعوب المتخلّفة البدائيّة كمعظم أفريقيا الجنوبيّة ، لنرى تأثير الرقي العقلي والتقدّم العلمي ، وفعل الجهل والتأخّر الذهني في مواجهة كل من الطرفين لقضايا مصيره ومعضلاته ، وعواقب هذه المواجهة .

         من جانب ، نرى أناسا” أنشأوا مؤسسات علميّة واجتماعيّة وأقتصاديّة باهرة ، وأخترعوا أسلحة وأجهزة دفاعيّة رهيبة ، وجبهوا الأمم وخاضوا الحروب يحميهم وينصرهم ما أبدعه العقل الراقي ، فمدّوا سلطتهم على كل منطقة أضعف منهم حضارة وعلما”  ، ذلك لأنهم آمنوا بأن قدرة الأنسان العلميّة المنظمة وارادته هما اللتان تبدعان مصيره وتشقّان طريقه ، لا قدرة السحرة وارادتهم ، ولأن علماءهم ومفكّريهم استلهموا وعي العقل  لا أشباح السحر وأوهام الجهل ، فساعدهم انفتاحهم على المعرفة المتجدّدة في تطوير حياتهم وتوسيع أفق رؤيتهم ودفعهم الى التفوّق .

         ومن جانب آخر ، نرى أناسا” جمّدت حياتهم التقاليد الجوفاء والغباوة العمياء ، فاذا حاضرهم كماضيهم فراغ وهباء . يمضي المحاربون منهم الى القتال بأسلحة جدّ بدائيّة ، أو بأخرى أبطلت الأمم الراقية استعمالها فباعتهم ايّاها ، يمضون متكلين ، لا على قدرة حربيّة تعضدهم أو نبوغ عسكري يرشدهم ، انما على حماية الأحراز والحجابات والتمائم التي علقوها في رقابهم قطعا” من الخشب والعظم وما شابه ، بعد أن حصلوا عليها من “سحرتهم” العريقين في السحر ، لتصون سلامتهم وتطرد الأرواح الشرّيرة وتدفع عنهم الأخطار . لكن التعاويذ التي أولوها ثقتهم ، بدل أن تدفع عنهم الأعداء والمضرّات ، تدفع بهم الى هوّة المهالك وشقاء الحياة ، وتجعلهم مطيّة كل شعب سبقهم في التحرّر من أباطيل السحر وعبوديّة الخرافات . ذلك بأن قدرة العقل فيهم شلّتها الأوهام فعزلتهم عن الأخذ بما يطوّر تفكيرهم وعيشهم وأعمتهم عن رؤية الحقيقة .

         في واشنطن وموسكو وباريس وغيرها من بلاد العقل الراقي ، يمضي الفرد السنوات  الكثيرة في كبرى الجامعات ، يدرس الطب نظريّا” وعمليا” ، ويجري التجارب على مئات المرضى بأشراف أساتذة أفنوا أعمارهم في الدرس والفحص والأختبار ، لينصرف بعد ذلك الى ممارسة الطبّ . فاذا التجربة العلميّة الطويلة والتنقيب العقلي المديد يمدّانه بانتصارات طبيّة باهرة تحقق المجد له ولشعبه . أمّا في بلاد السحر العريق ، في ( أوبنغي ) الأفريقيّة (5) ، فالفرد يصبح ساحرا” وبالتالي طبيبا” له القدرة  والحق في المداواة ، بعد أن يطرح على بطنه في حفرة ، وتربط يداه مشدودتين الى وتد ، ويغطى جسمه بقشور الأشجار اليابسة ، ثم تضرم النار فيها ، فاذا ما نالته النيران بحروق بالغة ، رفعوه بين حيّ وميت ، وكرّسوه طبيبا” مؤهلا” لمعالجة المرضى ، فيباشر مهنته السحريّة مداويا” بالتعاويذ والأحراز والحجابات ، وكم من مريض مسكين يقضي بين يديّه ويخزى سحر الساحر وغباء شعبه .

         في بلاد العقل الراقي يمضي المرء السنوات الطوال يدرس ويمحّص ويختبر ، ليتخرّج ، أخيرا” ، اختصاصيا” في فرع واحد من عشرات فروع المعرفة ، فيمارس مهنته في حيزها المحدّد ولا يتعدّاها الى غيرها ، وهكذا يسهم في ترقية العلم والبلاد .

أمّا لدى أهل السحر من قبائل ( الأقزام ) الأفريقيين (6) فيكفي أن يربطوا أحدهم الى جثّة ، وجها” الى وجه ، وفمه لاصق بفمها ، ثم ينزلون الأثنين في حفرة يمكثان فيها على هذه الحال ثلاثة أيّام ، من بعدها يخرجون الرجل ، اذا بقي حيّا” ، وقد تسلّطت عليه نوبات هستيريّة عصبيّة . يكفي أن يفعلوا ذلك حتى يصبح ذلك المسكين “ساحرا” ” أي عالما” بزعمهم ، لا في فرع من فروع المعرفة فحسب ، بل في كل ميادينها ، وخصوصا” في ذلك المجال الذي ما تزال علوم الأمم الراقية كلها أعجز من أن تخوضه ، مجال علم الغيب ! ففي ظنّهم أن الأرواح لا بدّ من أن تسكنه وتتكلم بفمه ، بعد تلك التجربة الفظيعة . ولا شك أن شيئا” جديدا” سيحتل ذلك “الساحر” هو الجنون ، وأن لغة جديدة سيخاطب بها قومه هي الهذيان !

         فالرؤية الصائبة للأشياء ، والتفسير الصحيح للقضايا والأحداث ، يقتضيان عقلا” مراقبا” صافيا” متحرّرا” من الأنفعالات الحادّة والتخيّلات المريضة . ذاك أوضحه ايسرتيه Essertier   في كتابه “أشكال التفسير الدنيا ” (7) . ومن أين للأقوام البدائيين ذلك ! اذ ان ساحرهم تتحكّم به في أثناء عمله السحري رغبات عنيفة وانفعالات شديدة وتخيّلات تكاد تبلغ حدّ الهلوسة ، مما  يشل حركة الفكر الناقد ، ويجعل صاحبه في اقتناع واهم أنه بات يملك قوّة لا حدود لها . ويساعد “الساحر ” على هذا الإيهام الذاتي جو المؤمنين بقدرته الذين حوله ، والوضع الشاذ الذي يجعل نفسه فيه ، من توقيت عمله في منتصف الليل أو قبيل بزوغ الفجر أو عند الغسق ، ومن أختيار مكانه الذي كثيرا” ما يكون المواضع المعتمة أو المستنقعات أو المقابر ، ومن أنتقاء للأدوات الشاذة والأقنعة العجيبة ، ومن نطق بتعازيم غريبة الألفاظ والمعاني .

         فالسحر كان وما يزال رفيق جهل الأنسان العلمي وعجزه المادي وثمرة لهما .وقد لاحظ مالينوفسكي (8) في دراسته عن شعب ميلانيزيا ، أنه ينهج في تصرّفاته الزراعيّة نهجين : من ناحية ، يستخدم المعارف البسيطة المتجمّعة لديه من تجاربه المتتالية لتحسين الحراثة والزراعة ، فيقتلع الأشواك والنباتات المضرّة ، ويستبدل بالبذر الفاسد بذرا” صالحا” ، ويصلح الأسيجة المفسدة ، موقنا” أن ما يلجأ اليه بدافع العقل يضمن له موسما” أفضل . ومن ناحية أخرى يرى أن هذه الأمور البسيطة التي اهتدى اليها بنشاطه الذهني ليست كافية لضمان نجاح موسمه . فثمة الحشرات وأذاها ، والرياح وأضرارها ، والأمطار وانحباسها ، ثمة ما يعجز عقله وقدرته الماديّة عن طرده أو استجلابه ، ولكن الحاجة تضطرّه اليه . اذن ، لا يبقى له الاّ أن يتخيّل وراء كل هذه الأشياء قوى خفيّة تسيّرها ، ويوهم نفسه أن باستطاعته أن يسخّرها لارادته بتعازيم وتمتمات وهلوسات يسمّيها “سحرا” ” .

         هذه الحقيقة أكّدها  الفيلسوف الفرنسي برغسون (9) . فقد وجد أن صاحب العقل البدائي يرى أمامه محيطين : المحيط الطبيعي الخاضع ليده وأدواته ، والذي بوسعه أن يستشرفه ويتأكّد منه ، ومحيطا” آخر يحسّ أنّه ، في الواقع ، ليس تحت سيطرته ، اذ ان سلطته العاديّة على العالم الخارجي سرعان ما يشعر أنها بلغت حدّها الأقصى ، ولكنه يرفض أن تبقى عند حدودها ، ويرغب في تحقيق كل ما يريد . ولما كانت قدرته الواقعيّة عاجزة عن ذلك ، وجب ، في منطقه الذي لا يقدّر سببيّة الأحداث ، أن تتكفل الطبيعة بتنفيذ ارادته . وذلك لا يمكن حدوثه ، خياليا” ، الاّ اذا تصوّر الطبيعة كأنها تمغنطت واتجهت بنفسها نحوه تتقبل منه الأوامر وتنفّذها . وهكذا ، كان عليه أن يقنع نفسه بأن أوهامه هي حقيقة واقعيّة ، وأن مشيئته تنفّذها الأرواح والقوى الخفيّة . وبصورة عفويّة ، أخذ البدائي يحقق رغباته في المحيط الذي لا يخضع لسلطته الفعليّة ، باللجوء الى طرق مختلفة قائمة على مبادىء نظريّة وهميّة ، منها : “أن الشبيه يفعل في شبيهه ” ، فاذا أراد أحد البدائيين قتل خصمه ، مثلا” ، وخصمه بعيد عنه ، أخذ يقوم بحركات اندفاعيّة وتخيّلات عنيفة ، كأن يتصوّر أنه هجم على عدوّه ، وأمسكه بكلتا يديه ، وراح يضغط على عنقه يخنقه .  ولكن هذه الحركة ، وأن أشبعته سيكولوجيا ، فهي لا تشبعه ماديا” . ولذلك نراه يلجأ الى صياغة دمية تمثل ذلك الخصم – وليس ضروريّا” أن تشبهه شكلا” ، فالمهم لديه أنها ترمز اليه – واذ ذاك يصبّ عليها جام غضبه ، فيحرقها أو يحطّمها أو يغرز مدّية في قلبها . وهكذا يقتنع أنه بهذه الطريقة “السحريّة ” فتك حقيقة ، بخصمه . وثمة مبدأ وهمي آخر يراه العقل البدائي صحيحا” ، هو أن الجزء يساوي الكل  . وتبعا” له نرى الساحر الذي يريد استنزال المطر ، مثلا”، والمطر لا يطيعه ، وهو عاجز عن الصعود الى الفضاء ، ليأتي به ، يستعيض عنه ببعض الماء يفرغه على الأرض مرافقا” بالتعازيم . ومع أنه يشعر أن السماء لا تخضع لمشيئته ، يبقى مقتنعا” بأنها ستخضع لها ذات يوم . فأنّى لعقله المتخلّف أن يدرك أنها لا تخضع الاّ لارادة القوانين الطبيعيّة التي تسيّرها !

      هذه الأعتقادات السحريّة الخرافيّة ما يزال يروج في البلاد العربيّة كثير من أمثالها . ومنها أنواع تعرف “بالكتابة” و “الربط” ، حيث يستعيض “الساحر ” الدجّال عن الشخص الذي يريد التأثير فيه والسيطرة عليه بصورته أو بشيء يملكه أو يعود اليه   .

         فذوو العقل الواهي لا يستطيعون أن يفقهوا القوانين التي تربط ظواهر الطبيعة بسببيّة صارمة تجعل دائما” نفس النتيجة تصدر عن نفس السبب ، ولذا نراهم يقحمون أنفسهم في سلسلة الأحداث الكونيّة ، كتعاقب الليل والنهار ، وتوالي الفصول ، وانهمار الأمطار ، وزوال الكسوف أو الخسوف ، جاعلين من ارادتهم وتدخّل القوى الخفيّة العامل الحاسم في أحداثها . وهكذا يستمدّون من حصول الظاهرة الطبيعيّة برهانا” على فاعليّة ” سحرهم ” .

         فقبيل حلول فصل الربيع ، يعكف المواطنون البدائيون  في أواسط استراليا على اقامة طقوس “سحريّة ” يتوسلون بها الى ايقاظ القوى الهاجعة في الأرض ، حتى اذا ما ظهرت بوادر الخضرة ، وبرعمت الأزهار ، وتحرّكت الحشرات والأطيار – وغالبا” ما يظهر الربيع في تلك البقاع ظهور طفرة بعد سيل عارم من الأمطار – ابتهجوا بأن أعمالهم “السحريّة ” هي التي ولدت الربيع . فالسنة وظروفها الفلكيّة ليست في نظرهم سلسلة طبيعيّة تترابط حلقاتها وفق نظام كونيّ معيّن ، انما هي مفاجآت مستمرة تحدثها أو تبطلها رغبات الناس المدعومة بإرادة قوى خفيّة يتوهّمون أنها تنتظر ايماءة منهم لتنفّذ مآربهم (10) والظاهرة الواحدة قد تضع لها الشعوب البدائيّة تفاسير وحلولا” “سحريّة” مختلفة . فلدى حدوث كسوف ما ، تعتقد قبائل ألاوجبوايز Ojebways   أن الشمس انطفأت ، وسرعان ما يقوم أفرادها بأعمال “سحريّة ” جماعيّة تستهدف اعادة اضاءتها ، فيطلقون سهاما” مشتعلة الرأس باتجاه الشمس لضرام النار فيها مجددا” . والطريقة نفسها تلجأ اليها قبائل السنسس Sencis   في البيرو ، ولكن لا بقصد اشعال النار في الشمس من جديد ، انما بغية طرد وحش يعاركها . بينما تعتمد قبائل الشيلكوتن الهنديّة Chilcotin Indians   ، لدى حدوث الكسوف ، الى عمليّة “سحريّة ” أخرى ، فيشمّر الجميع ثيابهم كأنهم في رحلة  ، ويتوكأون على عكاكيز كأنما يحملون أعباء باهظة ، ثم يمضون في السير بصورة دائريّة حتى ينقضي الكسوف . وهم انما يقومون بهذا “السحر ” الجماعي ايمانا” منهم بأنهم يقوّون عزيمة الشمس وهي تخطو خطوات ضعيفة في تجوالها المضني عبر السماء ! (11)  .

         وقد تبيّن لي أن هذه التأويلات والحلول “السحريّة ” ليست مقصورة على الشعوب الهمجيّة والمتخلّفة ، بل هي رائجة ايضا” في أوساط كثيرة من بعض الشعوب المسمّاة بالمتمدّنة ، ذلك أن الرقي العقلي قلّما يعمّ شعبا” بأسره . فالذهنيّة البدائيّة ما تزال ، وللأسف ، منتشرة في البلاد العربيّة قاطبة ، وقد أتيح لي ، لدى حصول الكسوف الأخير الذي لوحظ  في لبنان ، أن أشهد مشهدا” عجبا” في أحدى المدن اللبنانيّة المشهورة بعلمها وأدبها ، وهي زحلة ، فقد أسرع رهط من أهل البلد الى ضرب التنك ، بينما أنصرف آخرون الى قرع الأجراس أو اطلاق الرصاص باتجاه الشمس ، اقتناعا” منهم بأن جلبتهم تخيف ” الحوت ” الذي كان بظنّهم ، على وشك أن يبتلع القرص المضيء ! ولست أشكّ في أن هذا العمل قد حدث نظيره في كثير من قرى المنطقة . ولئن كان القائمون بهذا “الطقس” لا يمنحونه معنى “سحريا” ” جليا” ، فان استمراره يعني استمرار عقليّة ساذجة بدائيّة وسط بيئة متقدّمة نسبيّا” ، ويشير الى بقاء رسوبات “سحريّة” قديمة في محيط آخذ بالترقي . فحيث العلم مهيمن يتقلّص نفوذ السحر وتسيطر القوانين العقليّة ، وحيث الجهل مخيّم ، تروج التأويلات الخرافيّة وان لم يسمّيها أصحابها “سحريّة” .

         فضلا” عن ذلك ، “فساحر ” القوم كثيرا” ما يكون طبيبهم ايضا” . وقد يصدف ان يهتدي ، ببحثه العقلي أو توفيق التجربة ، الى عقاقير من حشائش وغيرها ناجعة في بعض الأمراض ، لكنّه لا يستخدمها الاّ مصحوبة بالتعازيم والرقى . فان شفي العليل هلّل الجميع لسحر الساحر وقدرته الخفيّة لا للعلاج العملي الشافي . ذلك بأن “السحر” في زعمهم هو الذي يبريء لا الأدوية ، فانما هذه وسيلة “سحريّة” من جملة وسائله .

         فكل نجاح عملي عائد الى مهارة اليد أو براعة العقل أو حسن الصدفة ، سواء كان في الزراعة أو الصيد أو الطب ، كان يحرص أسياد القبائل ، وهم ، غالبا” سحرتها ، على اظهار انه انما تمّ بفعل “سحرهم” ، تعزيزا” لسلطتهم . وان نجاحا” واحدا” صادرا” عن أعمال العقل أو حسن التوفيق سرعان ما يؤّول تأويلا” “سحريّا” ” ، زاذا هو يؤثّر في النفوس الساذجة اكثر مما تؤثّر فيها عشرات الاخفاقات المتتالية ، لأنّه من السهل أن ينسب البدائي النجاح ، وان فردا” ، الى “الساحر ” ، وان يعزو الفشل ، وان تكرر ، الى القوى الخفيّة المعاكسة ! وقد يكون الساحر كسائر بني قومه يصدّق أوهامه ويعتقد  اعتقادهم بفعل جو التفسير الخرافي الذي يضغط على الجميع ، وهو أمر راجح في العصور القديمة ، وقد يكون محتالا” مستثمرا” يستخدم أوهام “السحر ” كاحدى الوسائل لتدعيم نفوذه في قومه ، وهذا راجح في العصر الحاضر . اما الطريقة التي يكون ” الساحر ” قد اهتدى اليها ، على صعيد الطب أو غيره ، بمجرّد الفحص العقلي والتجربة ، فتخفى عن الشعب ، ويحاط ، هكذا شخص “الساحر ” بهالة عجائبيّة تتعاظم مع الأيام بفضل المبالغات التي تتغذّى بها ، فتفسد نقد العقل واصابة الحكم وتقدم العلم (12) .

         ولعلّ في اخفاء تلك الطرق الشبه علميّة نواة للحركات السريّة الباطنيّة التي تحتفظ بمعلوماتها لنخبة من أعضائها . وأغلب الظن ان اخفاء المعرفة عريق القدم يرقى أصله الى خرافة بروميثيوس الذي تزعم الأساطير أن الآلهة عاقبته لافشائه سرّ النار للبشر ، بأن أمرت بتسميره على جبل القوقاز وسلّطت عليه عقابا” يقرض كبده .

         غير أن التاريخ عرف أناسا” حاولوا أن يتّجهوا اتجاها” علميّا” تجريبيا” من دون أن يستطيعوا التخلّص من جو الفكرة السحريّة ، فاصطبغت أعمالهم بصبغة شبه علميّة من جهة ، وبصبغة خرافيّة من جهة أخرى . فاذا بعضهم ينظّم جداول للنبات والمعادن والنجوم ، ولكنّه حين التطبيق ، لا يتخلّى عن التعازيم والرّقى .

         هذه المعارف الأوليّة المختلطة بأوهام السحر انتهت ، مع الزمن ، بوضع تنظيم لها سميّ “العلوم الخفيّة ” ، وتسميتها “بالعلوم” تسمية مجازية ، اذ أنها خالية من أيّة قاعدة علميّة تامة الصحة ، وقد دعيت “خفيّة” لحجبها عن جمهور الناس وقصرها عن متعاطيها . وأهم وجوهها القديمة ما يعرف بالكيمياء البدائيّة L،Alchimie  والتنجيم L،Astrologie   . لكن العبارة أصبحت تطلق اليوم على الألعاب الخفيّة كلّها أيضا” . أمّا الكيمياء البدائيّة أو “السحريّة” فقد أدت ، بعد أن نظّفت من شوائب الخرافات ، الى اقامة علم الكيمياء الحديثة La Chimie  . وأمّا التنجيم فكان اشبه بطفل مريض تنتابه حمّى الهذيان ، وقد غدا ، بعد أن نمى وتعافى ، علم الفلك الحديث  L،Astronomie   وهو علم لا يقرّ الأوهام التي يتاجر بها “المنجّمون” أو “الفلكيّون” . ولنا في ذلك حديث لاحق .

         وهكذا ، فالملاحظات العقليّة والتجارب العلميّة ، مهما كانت بسيطة في قوم من الأقوام ، نراها بتكاثرها وتراكمها مع الزمن ، بتصحيح أخطائها وانفتاحها على الجديد ، تنتهي بتطوير المعرفة وانشاء العلوم  الصحيحة ، وترقية المدنيات . في حين أن “السحر” القائم على السذاجة العاطفيّة  والأنفعالات البدائيّة ، هذا “السحر” الخائف على نفسه ، المنغلق على ذاته المتجمّدة العتيقة ، المنتقل بالوراثة  أو السريّة ، لم يؤد ولن يؤدّي الى أيّة نتيجة تزيد الأنسان ادراكا” أو قوّة أو تقدّما” ، فنتيجته الوحيدة كانت وما تزال عرقلة سير العلم وتأخير عجلة الحضارة .

         وقد أوضح ليفي برول في كتابه “الذهنيّة البدائيّة ” (13) أن العقليّة السحريّة مناقضة للعقلية العلميّة ، لأنها تقوم على ايهام النفس بالسيطرة على قوى مبثوثة في الطبيعة  وتسخيرها للأغراض والمصالح الشخصيّة ، دونما نظر أو اكتراث للقوانين الثابتة التي تحكم الأشياء .

         ولما كان كل تقدّم حضاري لا يحصل الاّ بادراك أوسع وأعمق للحقائق ، والعلم انّما يقوم على تفهّم حقيقة القوانين الطبيعيّة ووعي سببيّتها ، أصبح الايمان بالسحر والأوهام والأخذ بالتأويلات الخرافيّة يشكلان العائق الأقوى الذي يمنع تكوّن الروح العلمي ويؤخر سير الأفراد والشعوب نحو بناء العقل الحرّ الصافي (14) . وانهم لعلى خطأ فادح اولئك الذين يزعمون أن للسحر علوما” قديمة هي التي مهدت الطريق لنشوء العلوم الحديثة ، وهي التي ستمهّد السبيل لنشوء العلوم المقبلة . فالسحر رفيق الجهل وعدو العلم ، وبذرته الجوفاء العقيمة لا تنمو الاّ في تربة التخلّف والغباوة ، كما أثبتنا ، وبهذا الصدد يقول برغسون (15) : ” هيهات أن يكون السحر قد هيّأ ظهور العلم ، كما زعموا ، فهو الحاجز الأكبر الذي كان على المعرفة المنهجيّة أن تكافح ضدّه . فالأنسان المتمدّن هو الذي استطاع العلم الناشيء الماثل في العمل اليومي ،ان يتخطّى لديه السحر الذي كان يحتل باقي مجاله ، وذلك بفضل ارادة متجدّدة القوّة . بينما الأنسان غير المتمدّن هو الذي ، باحتقاره بذل الجهد ، ترك السحر يتغلغل لديه حتى في منطقة العلم الناشىء ، فيعلوه ويحجبه الى حد أنه يجعلنا نؤمن بعقلية بدائيّة يغيب عنها كل علم حقيقي ” .

         وبهذا الموضوع يقول أيضا” روني في كتابه ” السحر ” (16) : ” ان العلم لم يولد حقيقة الاّ يوم قرّر انكار القوى الخفيّة ، طاقات وأعمالا ، التي بواسطتها كانت أنانية الأنسان تستطيع أن تدعي دائما” أنها توقف سير الأشياء الطبيعي ” .

         فبعدما تقدّم ، يتأكّد لنا أن الجهل كان وما يزال عاملا” بارزا” في نشأة اعتقاد السحر واستمرار الأيمان به والتعلّق بالتأويلات الخرافيّة الناجمة عنه ، سواء لبست ثوبا” قديما” أو “علميّا” ” وهميا” حديثا” .

         وبما أن الجهل نسبي ، فرؤية الأشياء والأحداث رؤية “سحريّة” نسبيّة أيضا”. فليس فقط ابن أفريقيا الجنوبيّة والذين يماثلونه من البدائيين يعيشون في جو “سحري” بل القرويون ، كذلك ، في أي بلد متمدّن ، اذا فاتتهم الثقافة وجهلوا المخترعات الحديثة ، قد يميلون الى أن يفسّروا المذياع أو التلفاز أو التحولات الكيميائيّة أو الطائرات والصواريخ وما شابه تفسيرا” “سحريّا” ، اذا لم يكونوا وقفوا على سرّها وبلغهم توضيح علمي عنها . فضلا” عن ذلك فكل من يجهل قوانين الطبيعة والعمران وطبائع الموجودات ، وان كان مثقّفا” ثقافة جزئيّة معيّنة ، وكل من اطلع على ظاهرة علميّة  أو حادثة طبيعيّة وفشل في أكتشاف علّتها وتوضيح سببيّتها ، وكل من عرف من الشيء وجها” وجهل وجهه الآخر ، هؤلاء جميعا” معرّضون للتسليم بالتأويلات “السحريّة” والتفسيرات الخرافيّة ، اذا لم يسعفهم العقل بمستوى كاف من الوعي والادراك والنقد .

         يقول أينشتاين : ” ان أللّه لا يلعب بأحجار النرد ” . فالعلم الحديث أكّد أن للطبيعة أنظمة ونواميس أزليّة ثابتة تسيطر على الكائنات جميعا” ، فيستحيل على الارادة الآدميّة أن تعبث بتلك القوانين وتعاكس مجراها أو تبدّل وجهتها . فمثلا” ، لا يمكن لأرادة بشر أن تنقل أي شيء ماديّ من مكان الى آخر دونما آلة ، لأن قانون الثقل والجاذبية يمنعان ذلك ، ولا يمكن لمشيئة انسان أن تحوّل الماء خمرا” من غير الأستعانة بعناصر كيميائية ، لأن طبائع الأشياء تحول دون ذلك . لا سيّما أن الأنسان نفسه خاضع للقوانين الكونيّة خضوع الطبيعة كلّها ، لأنه جزء منها . وليست الأستنباطات والأكتشافات العلميّة الاّ زيادة في الكشف عن تلك القوانين ، لا نقصا” لها . وبهذا المعنى يقول العالم الألماني الكبير ماكس بلانك Max Plank   موجد نظريّة ” الكانتا ” Quanta ، وحائز جائزة نوبل في الفيزياء :

         ” ان قوانين الطبيعة لا تخضع لارادتنا ، فهي قد وجدت قبل ظهور الحياة على الأرض وستبقى بعدها ” (17) .

        العلم الذي بدأ بملاحظات عقليّة بسيطة انما منفتحة ، حول احتكاك الأشياء وحركتها وثقلها ، انتهى ، مع الزمن ، باختراع الصواريخ والأقمار الأصطناعيّة ، لأنّه حمل نواة حقيقيّة واقعيّة منذ البدء ، وكان يهدف الى معرفة متزايدة توضح المبادىء العامة والقوانين التي تحكم العالم الماديّ ، فالطب الحديث هو سليل أبقراط ( نحو 460 –نحو 375 ق.م ) الطبيب اليوناني الأشهر ، لا سليل السحرة الذين عاصروه ، وأبقراط هو نتيجة تراكم التجارب العقليّة والملاحظات الموضوعيّة وتصحيح أخطائها عبر الأجيال ، لا ثمرة  التمائم والتعاويذ . لكن السحر منذ الآف السنين حتى يومنا هذا ما يزال هو نفسه يعيش في قوقعة الوهم ، وبالتالي في عجز كلّي عن تحقيق ما يريد – وما يريده لم يكن أدنى من حلم العلم : معرفة كل شيء والسيطرة على الكون  – ذلك بأنه لا يحمل منذ الأساس أيّة حقيقة واقعيّة . الذين اعتمدوا نقد العقل ووضوحه ، وأبحاث العلوم ومنهجيّتها ، أخذوا يغزون القمر والكواكب بمنجزات عقولهم ، والمتعلّقون بأذيال السحر المتشبّثون باعتقاد الخرافات ما يزالون مشنوقين بحبال أوهامهم .

                                                  – 3 – 

        فضلا عن ذلك ، فشيوع اعتقاد السحر في قوم من الأقوام  يدل على انحطاط روحي او انحراف ديني فيهم ، و كلا الامرين عاقبته جد وخيمة، اذ انه كما الجهل يشل الضمير الحيّ و بالتالي يفسّخ نفسية المجتع و يهدم مثاليته و تعلقه بالقيم الانسانية السامية. و مجتمع لا يحرسه و ينهض به ضمير راق، لا بد صائر الى فجيعة حضارية، و ان تقدمت العلوم فيه و احرزت انتصارات مؤقتة.

فتقدم العقل  و بالتالي العلم يقدم الانسان في مجال افقي ، بينما ارتقاء الضمير القائم على الانطلاقة الداخلية للنفس فهو يرقي الانسان في مجال عمودي، وفي الارتقاء التصاعدي لا  في التقدم الامامي تتكامل انسانية الانسان الجوهري و تكمن الغاية من وجوده.

       و قد  ثبت لدى علماء الاجتماع ممن تعمقوا في دراسة الانسان البدائي ، سواء وجد في العصور القديمة او الحديثة ، ان الذهنية “السحرية” درجة روحية  تلازمها كل نفس ما تزال عاجزة عن تخطي مفهومها للطبيعة كحيوان غريزي عظيم، لا ارادة له و لا حرية ، تتغلغل فيه نيّات او قوى “روحية” مبهمة لا شخصية لها  و لا هوية تترقب اوامر يصدرها اليها “الوسيط الساحر” لتنفذها.

       و يرى الفيلسوف الفرنسي برغسون ان اول تقدم كبير احرزته البشرية في سيرها نحو الحضارة كان يوم تجاوزت مفاهيمها الروحية مرحلة السحر تلك، و انبرى الدين يتصاعد تدريجيا نحو آلهة اخذت شخصياتها تتضح اكثر فاكثر ، و علاقتها  فيما بينها تزداد تحديدا، او تنصهر جميعها في الوهة واحدة. اما الخطوة الكبرى الثانية فتحققت يوم بلغ الفكرالديني مرتبة انتقل فيها من الخارج و تصوراته الميثولوجية المضخمة الى الداخل و حركته الروحية الدينامية القائمة على مزايا نفسية جديدة (18) .

       فالانسان لم يستطع ان يدرك انه متعلق تعلقا مطلقا بقوة الهية حرة  مريدة       و خاضع لها الا بعد ان نما عقله و ارتقى وعيه الروحي.  و معنى الدين العميق الذي يدفع الانسان الى ان يجعل تصرفاته مطابقة للمشيئة الالهية في جميع جوانبها ، لا يقدر على الاخذ به ، على حد تعبير فرايزر” الا ذوو العقول العليا الذين لهم من اتساع النظر ما يكفي لادراك عظمة الكون و صغارة الانسان . فالعقول الصغيرة  ليس في وسعها ان تقبض على الفكر الكبيرة، فأمام فهمها الضيق و رؤيتها العشواء، لا شئ يبدو عظيما و خطيرا حقا الا هي نفسها . امثال هذه العقول ، و هي للاسف تؤلف الأغلبية ، و يصعب جدا ان تنهض الى مستوى الأديان ، و لذا قد يتمكن أصحابها ، اذا دربوا ، من ان يتقيدوا تقيدا خارجيا شكليا بمبادئ الدين و قواعده ، لكن قلوبهم لا تستطيع الا ان تتجه الى خرافاتهم السحرية القديمة التي قد تعارضها الاديان و تمنعها، لكنها لا تقوى على استئصالها ، ذلك بان جذور الخرافات السحرية جد عميقة في بنية النوع الانساني و في تركيبه العقلي (19) .

         ان انحطاط الذهنية السحرية من الوجهة الروحية دفع فرايزر الى افتراض ان المعتقدات البدائية قبل ان ترتقي الى مستوى العقائد الدينية كانت افكارا”  و مفاهيم سحرية . و قد استشهد على ذلك بان أعرق الشعوب بدائية كقبائل  (الارونتا) الاسترالية  و غيرها، لا نجد أي اثر للمفاهيم الدينية فيها، بل ان كل تفاسيرها سحرية. و قد استنتج  من ذلك انه طبيعي ان يسبق في الجانب الذهني من الثقافة الانسانية “عصر سحري” كما يسبق في الجانب المادي “عصر حجري” . فلا نكون مخطئين ان نحن قلنا عن المؤمنين بالسحر في القرن العشرين انهم ما يزالون يعيشون في عصر “ذهني حجري”(20) .

         لكن تعايش السحر و الدين او تداخلهما في قبائل بدائية اخرى و تسامي المفاهيم و التصرفات الدينية على المفاهيم و التصرفات السحرية فيها دفعت بعض  علماء الاجتماع امثال شميدت  و جيفون الى الظن بان في اصل جميع المعتقدات ادياناً موحاة داخلتها انحرافات ، من بعد ، او نشأت، كتقليد لها ،معتقدات “سحرية” تحاكيها محاكاة قرد لانسان ، مستعيضة عن الابتهال للقوى الروحية الخيّرة، بتعازيم توهمت انها بواسطتها تستطيع ارغام تلك القوى-التي التبس الخير فيها بالشر-و تسخيرها لمصالحها (21) .

         و سواء سبق الدين السحر في المجال الزمني ام تأخر عنه، فالسحر لا يتغير معناه و لا مقامه، اذ انه يبقى في النظرية الاولى مرحلة يكون فيها الانسان عاجزا عن بلوغ مرتبة الدين، و يبقى في النظرية الثانية هبوطا في الدين و مسخا  له و انحرافا. و في كلا الامرين يكون اعتقاد السحر عنوان حالة روحية بدائية متأخرة او متقهقرة.          والاديان الصحيحة جميعا تقوم على عنصرين : نظري و عملي. فالنظري يوجب الايمان  بوجود كائنات روحية خيّرة ذات شخصيات فائقة حرة مريدة ، و العملي يقضي باستعطاف تلك القوات الالهية و العمل لكسب رضاها . غير ان الاعتقاد ان لم يتبعه ممارسة عملية مطابقة له يبقى فذلكة لاهوتية و لا يصبح دينا (22) .

      فالدين ،اذن، ايمان و اعمال ، و اعمال الانسان هي التي ترقيه و تبرره، بالدرجة الاولى، لا ايمانه. هذه الحقيقة اوضحها في الدين المسيحي يعقوب الرسول حيث قال : “انت تؤمن ان الله واحد . حسن و الشياطين ايضا يؤمنون و يرتعدون . هل تحب ان تعلم ايها الانسان الباطل الرأي ان الايمان بغير الاعمال ميت…ترون اذن ان الانسان بالاعمال يبرر لا بالايمان وحده” (23) . و لتملأ الاعمال معناها و غايتها ،  ليس ضروريا ان تتخذ دائما صورة طقس معين ، كتقديم ذبيحة  واقامة صلوات  واحياء احتفالات . فغاية الأعمال في الدين ارضاء الاله المعبود ، و هذا لا يتم بمجرد تكرار السجود و تقديم الذبائح و احراق البخور و ترداد المدائح ، بل بان يصير المؤمن نقيا رحيما مستقيما ،لأنه يكون بذلك ، و ضمن الحدود التي تسمح بها الطبيعة البشرية، يحاول محاكاة الطبيعة الالهية بارتقائه اليها من داخل. و قد عبر عن ذلك يعقوب الرسول نفسه بقوله:” ان الديانة الطاهرة الزكية عند الله الآب هي افتقاد اليتامى و الأرامل في ضيقهم و صيانة الانسان نفسه بغير دنس من العالم “(24) . و من قبل ، قال نبي العهد القديم ميخا:” قد بين لك ايها الانسان ما هو صالح و ما يطلب منك الرب . انما هو ان تجري العدل و تحب الرحمة و تسير بتواضع مع الهك “(25) .  من بعد ، اكد القرآن  الكريم  في ايات كثيرة ان الخلاص و البر انما يتمان بالايمان و العمل الصالح ، مثاله الاية القائلة:” ان الذين امنوا و الذين هادوا و النصارى و الصائبين من امن بالله و باليوم الاخر و عمل صالحا فلهم اجرهم عند ربهم و لا خوف عليهم و لا هم يحزنون”.

        و يخلص من النظر في مقومات الاديان عامة و في الكتب الموحاة خاصة ، ان الدين الصحيح يقتضي لقيامه وجود عناصر ثلاثة:

1-الايمان باله خيّر يتمتع بقدرة فائقة مطلقة و ارادة وحرية و يضبط و يراقب سير الاحداث الطبيعية و مجرى الحياة وفق قوانين و أحكام عادلة لا تفسدها النزوات  و الاهواء.

2-الايمان بان الدين في جوهره ، أولا، لا في اشكاله و طقوسه . و بقدر ما يتسامى الدين و يتنقى بقدر ما تتقلص الشكليات عنه.

3-الايمان بان نيل رضى الاله يكون بالتكامل ممارسة من داخل بواسطة ارتقاء يعّلي ميول النفس و أفكارها .

         هذه العناصر الثلاثة اذا اجتمعت في انسان ما رفعته الى درجة روحية معينة هي الدرجة الدينية الصحيحية ، و ان فقدت جميعها لدى انسان ما او فقد احدها ، هبطت درجته الروحية ، بنسبة معينة ، و اصبح مهددا بالانحطاط الى المفاهيم و المعتقدات السحرية و ان لم يكن واعيا وضعه. و انّا سنوضح هذه النقاط الثلاث تباعا.

           أولا- ليس ضروريا ان يتجه تفكير الانسان شطر قوى شريرة مزعومة يسميها شياطين او غير ذلك ، و يسألها، واهما، تنفيذ مصالحه الخاصة او ايذاء أخصامه حتى يقال ان هذا الانسان بدائي العقلية ما يزال رازحا تحت الجو السحري الخرافي .يكفي ان يتخذ الانسان من الله سبحانه او من الكائنات الروحية الفائقة الاخرى – سواء وجدت وجودا موضوعيا واقعيا ام وجودا تصوريا ذاتيا_ موقف الامر ، فيجردهم من حرية الاختيار ،و ينتظر واهما ان ينفذوا له طلباته و مآربه ، دونما نظر لاستحقاق الطالب لمبدأ الحرية و العدالة الالهيتين، حتى يكون قد انحرف عن معنى الدين الصحيح ، و بالتالي انحدر بمستواه الروحي الى مرتبة الذهنيّة السحرية و المعتقدات الخرافية.

         و اني اتساءل ما الفرق بين ذهنية “سحرية” بدائية توحّد  بين الشخص و صورته أ و رمزه و تؤمن بان ما ينزل في الصورة او الرمز ينزل في المرموز اليه و تجتذب ، جبرا، مساعداته ما الفرق بين البدائي الذي تكلمت عليه مليّا  في الفصل الأول و بين سائق معاصر يعلق في سيارته صورة (القديس كريستوف)-شفيع السائقين !- او “مؤمن” معاصر يحمل على صدره صورة (قديس) معين او اشارته، متوهما ان مجرد حمل الصورة او الرمز ينجيه حتما من الاخطار و يظفره بما  يعنّ  له من الاوطار! ايعني ذلك سوى ان السائق او “المؤمن” قد توهم –و لو غير واع- انه سيطر على ذلك (القديس) و أخضعه لارادته! فان نحن جلنا بين مئات (القديسين) و( الملائكة)المتخذين “شفعاء” و تعرفّنّا الى المواقف الدينية التي وقفها “المؤمنين” منهم، لأدركنا سببا مهما من اسباب رواج الايمان بالسحر في العصر الحاضر ذلك بان هؤلاء “المتدينين” يكادون يؤلفون الاغلبية الساحقة  و مفهومهم للدين لا يختلف عن المفهوم السحري . فلم لا يؤمنون بالسحر و خرافاته ما دام “دينهم”قد اتخذ في أذهانهم شكلا من اشكال “السحر”!

         فالعربي الجاهلي الذي كان يسأل آلهتة الأصنام ان تنفذ له مطلبه ثم ينتقض عليها فيحطمها او يرشقها بالسهام بعد ان يتأكد من انها لم تنفذ بغيته ، لم يكن تصرفه سوى تصرف “سحري” . و لذا فغير غريب ان يعم اعتقاد السحر شبه الجزيرة العربية و يترك اثاره حتى في الكثيرين ممن اسلموا – و ذلك على تاكيد القران بطلان السحر و اكاذيبه كما سنبين في الحلقة المقبلة –لان الذهنية السحرية كانت مسيطرة سيطرة تامة على الحياة العربية في الجاهلية . كذلك كثيرون من ابناء الهند المعاصرين ، على اعتقادهم ان الثالوث الالهي (براهما) و(فيشنو) و( سيفا)هو سيد الكون، لا يجدون غرابة في ان يؤمنوا بان هذا الثالوث الالهي خاضع لمشيئة السحرة! (26)  و في اليابان عندما يلاحظ جماعة من “المؤمنين” ان صلواتهم و طلباتهم لا تلاقي من الههم المحلي الا اذنا  صماء ، يطرحون تمثاله ارضا و يشتمونه مسقطينه في نهر وسخ ،  دافعين رأسه في الماء القذر أولا، و قائلين:” ابقى هنا ، فانك ستشعر كم تحسن الحال في حرارة الشمس التي لا تطاق”(27) . انها الذهنية السحرية البدائية تتسرب في الدين لتحرفه عن معناه الصحيح و تمسخه مسخا.

         ثانيا- عندما يتخلى الدين عن جوهره ليلهي الناس بالطقوس و الشكليات و الصلوات الآلية المكررة يكون قد هدد نفسه بالانزلاق الى الاعمال السحرية و المواقف الخرافية البدائية.

         و قد بين مالينوفسكي (28) ان كل عمل سحري يقوم على ثلاثة عناصر : اولها اللفظ ، فالقيمة هي في الشكل في مظهر الشيء و حسّيته لا في الجوهر، فالعمل السحري يجب ان ترافقه عبارات ينطق بها بطريقة معينة و صيغة محددة ،  و كل حذف او اختلاف في اللفظ يفسد، بزعمهم، عمل السحر و القبائل البولينزية البدائية ما تزال تعتقد ان أي حذف او نسيان او تغيير للألفاظ ينزع من العمل السحري فاعليته، و قد يؤدي ، بظنهم ، في الطقوس الكبرى الى اهلاك صاحبه من فبل القوى المتسلطة على الطبيعة . و ثانيها الطقس الذي هو ناحية مظهرية عملية . و لكل موضوع سحري طقسه. و قد رأينا في ما تقدم بيانا على ذلك (29) ، مثاله ان البدائيين لدى اعتزامهم قتل خصم ما ، يضعون له صورة مقاربة او رمزية ثم يتلفونها، و عند الكسوف يساعدون الشمس على استعادة ضوءها بسيرهم دائريا متكئين على العكاكيز كانهم يحملون بعض العبء عنها في تجوالها … ففي الموضوع السحري يكون وجود الشيء في شكله ، ولعل ما كان يعمد اليه المصريين القدامى من تصوير مراكب أو حيوانات أو مآكل على جدران المدافن ليستخدمها الموتى مثل مثير لانحصار وجود الشيء في شكله ، ساعة يفقد الدين جوهره ويصبح مجرّد مظهر حتى ليختلط بالأوهام السحريّة . وثالثها وضع الساحر نفسه الذي يقوم بتمثيل ما يرغب فيه ، كأن يبدي انفعالات وحركات توهم بأنه يقتل خصمه . والعنصر الثالث قد يحمل شيئا” من الحرارة  ” الإيمانيّة ” انما هذه الحرارة لا تحيّ الأفكار والأعمال التي منها تنسج الحياة ، بل تصبغ الأنفعالات البدائيّة وتضخيمات الخيال صبغة سطحيّة مؤقتة .

       هذه الشكليّة التي يقوم السحر عليها في عناصره الثلاثة تهدّد كل دين بالأنزلاق اليها اذا تخلّى عن معناها الإيماني الحياتي العميق وعن جوهره . وقد أوضح آلييه Allier  في كتابه ” السحر والدين ” أن السحر هو انتصار الشكلي الحرفي من الدين على روحه . فالإيمان الحقّ يتغذّى من انطلاقة القلب الدائمة نحو الأفضل والأسمى ، فاذا انحصر الإيمان في بعض الصلوات يرددها المؤمنون ، فهذه الصلوات لدى فقدها حرارة النفس المقرونة بالقصد الصالح والعمل الخيّر ، تتحوّل بفعل تكرارها ألآلي الرتيب الى تمتمات تجمّد انطلاقة القلب وتخنق وثباته . وأن لم يعد المؤمن بصورة دائمة الى النبع الحيّ من دينه فانه ينتهي الى الأيمان بحرفية الكلمة  وشكليّة الصيغة الدينيّة ، وهكذا من غير أن يدري ، يكون تدهوره الروحيّ وعجزه عن التماسك والثبات في ارتقائه ، قد هبطا به الى منزلة السحر البدائيّة . وتكون المضرّة ، اذ ذاك ، مضرّتين :من جانب يتحوّل دينه الى طقوس سحريّة وان لم يدرك هذا التحوّل ، ومن جانب آخر تكون الطريق قد مهّدت أمامه لجذبه الى الإيمان بكل ما يقال أنه “سحر” . ذلك بأن المستوى بين الطرفين أصبح واحدا” ، والتحرك بين الجانبين أمرا” سهلا” .

         ثالثا” – لا ينقذ الدين من الأنزلاق الى بدائيّة الأعتقاد الخرافي الاّ روحانيّة صافية (30) تتخطى الآلي والسطحي والشكلي لتتغلغل في الفكر والعمل بحيث تحاك من خيوطها قماشة حياة المؤمن . ويحسن أن نشبّه الدين ، هنا ، بطود شامخ ، حوله وعند قدميه تنبسط المستنقعات . فالروحانيّة لا تدرك الاّ فوق ذراه ، ثمة الهواء النقي والأطلالة الرحبة التي تسود المحيط ، لكن الذرى لا تنال الاّ بالجهد الذي تدعمه ارادة ثابتة في التسلّق الصعب وتذليل العقبات وقهر الألم ، فليس الاّ الأقوياء يبلغون القمّة . وفي منبسطات المستنقعات المترامية الى سفح الجبل ، حيث تدب هوامّ الميول وزحافات الشهوات والغرائز ، وحيث الهواء فاسد ، تركض المعتقدات البدائية السحريّة الخرافية ، فكل انحدار من الذروة الى السفح ينذر بالسقوط في المستنقعات .

         والسحر أناني في جوهره ، بينما الدين الصحيح يفترض التجرّد والغيريّة(31)  . الدين يهدف الى ترقية النفس في الفرد واشاعة السلام والأتزان فيها ، ويرمي الى خير المجموع الروحي . بينما السحر يقوم على السعي الوهمي لتأمين مصالح الأفراد الماديّة وأشباع أهواءهم . فاذا انقلب الدين الى مجرّد طلبات وايعازات تصدّر الى (ألأله ) و ( القديسين) لتأمين المصالح الشخصيّة الدنيويّة ، فيكون قد تنازل عن معناه الحقّ ومهّد السبيل للذهنيّة تحتلّه ، . وقد لاحظ العلماء أن الأديان البدائيّة كانت لا تخلو من أنانية ونفعيّة تحوّلان آلهتها الى ما يشبه السحرة العظام الخالدين ، يطلب القوم منهم ما يطلبونه الى أي ساحر : تحقيق المآرب الماديّة الشخصية(32) .

         فليس عجيبا” أن يروّج الإيمان بالسحر في هذا العصر ،على التقدّم العلمي الذي أحرزه كثير من البلدان ، وعلى انتشار الأديان الموحّدة ، ذلك بأن الجو الديني الشائع في العالم ، فضلا” عن طغيان الشكليّة والمظهر الطقسي فيه على الروح والجوهر ، هو جو نفعي بعيد جدا” عن الجو الديني الروحاني الصحيح ، يلتقي الجو السحري التقاء” صميما” في الكثير من مواقف ” المؤمنين ” وتصرفاتهم     . وقد شجع هذا الجو الديني الموبوء المشحون بالأنحرافات المذهبيّة التداخل بين ” السحر ” و ” الدين ” حتى بات المشعوذون والمحتالون المحدّثون لا يتحرّجون من أن يستخدموا في أعمالهم السحريّة الخادعة الآيات والصلوات مقرونة بتعازيمهم ورقاهم ، . ومن شأن ذاك أن يعزّز سلطتهم على السذّج من “المؤمنين” ويقوّي نفوذهم في ايهام نفوس ” المتدينين” بصحة ما يدّعون . ولا يدخل في خاطر أولئك المساكين أن الله  تعالى ليس موظفا” لديهم ولدى زمرة المشعوذين ، يخرق القوانين الكونيّة الأزليّة منصاعا” لأمرهم كلما تمتم محتال بتعزيم وخدع الناس ب ” صلاة ” . فالصلاة هي لترقية النفس وبعث العزاء فيها واخضاعها لخالقها ، وليست ” صيغة سحريّة ” تجتذب ألله سبحانه وتخضعه لمشيئة المخلوق . ” الآله” الذي يخاطبونه ، اذ ذاك ، ليس الآله الحيّ الحق الحر ، اله الكمال والعدل والصفاء الروحيّ ، بل ” اله” البدائيين الخرافي الذي يتوهمون أنه مفروض عليه أن يلبّي أوامرهم ! .

ألأيمان بالسحر هو فرار من الأيمان بالأنبياء 

                                            

     وازاء العواقب الروحيّة الوخيمة التي يولّدها الأنخداع بالأكاذيب السحريّة ، أكّدت الكتب المقدّسة بطلان السحر وفساد اعتقاده ومكر الآخذين به وكفرهم ، ذلك بأن منح السحر قوّة اجتراح الخوارق يمسخ معنى المعجزة السامي ، ويشوّه الترتيب والعدل الألهيين ، وينزل بمستوى الخوارق الربّانيّة الى دركة الحيل والأخاديع ، خالطا” الحقيقة بالدجل ، ومشكّلا” هكذا ، حاجزا” صفيقا” يحول دون الأهتداء الى الأنبياء والمرسلين الصادقين أوان يبعثون في الناس مؤيّدين بمعجزات اللّه . ففي كل عهد نبويّ ينقسم الناس فئتين :  واحدة لها من ميولها الروحانيّة ونزعاتها الأنسانيّة السامية وتوقها الى التصافي والتكامل ما يؤهلها للإيمان بالنبي الجديد وبأصل رسالته الألهي ، . وأخرى لها من ميولها الأرضية ورغباتها النفعيّة السفلى ما يجعلها قاصرة عن تصديق النبي الجديد ، لجسامة التبعات المترتبة على الأيمان ، من وجوب الأستقامة وتنزيه النفس عن الشرور والشهوات والدنيويّات ، وهي واجبات أن أخذوا بملئها هددّت باطاحة قيمهم الزائفة وأمجادهم الماديّة التي هي قوام تنافسهم وتفاخرهم ، . ولتبرّر هذه الفئة هروبها من الأقرار بالرسالة السماويّة ، تختلق منطقا” مزوّرا” فاسدا” تدّعي فيها أن المعجزات – وهي الشهادة الحاسمة لمصدر الرسالة الربّاني – يمكن أن تجترحها قوّة الشيطان أو علم الأنسان وقدرته الطبيعيّة (33) ،. وقد يكون بين أيدي هذه الجماعة المنهزمة الجاحدة كتاب موحى كحال اليهود أيام المسيح ، وقد تفتقر الى مثل هذا الكتاب ، شأن المصريين زمن موسى النبي أو الوثنيين والمشركين عهد الرسول العربي ، لكن الكتاب المقدّس ، في هذا الوضع ، لا ينفع أصحابه لأنّهم لا يؤمنون منه الاّ بما تصوّره أهواؤهم وتقرّه مصالحهم ، وخير حجّة على ذلك خطاب المسيح لليهود : ” فلو كنتم تؤمنون بموسى لكنتم تؤمنون بي لأنه كتب عنّي . فأن كنتم لا تؤمنون بكتبه فكيف تؤمنون بأقوالي ! “(34)  فلذا يكون موقف هؤلاء وأولئك من الرسالة الجديدة موقفا” واحدا” ، وهو ارغام أنفسهم وألآخرين على التسليم بأن ثمة قوّة أخرى ، غير اللّه عزّ وجلّ ، تصنع المعجزات . وهم يجدون تربة خصبة وطريقا” ممهّدا” يسهّلان تقبل ادّعاءاتهم الماكرة في رواج أكاذيب السحر لدى الناس منذ العصور السحيقة ، نتيجة عوامل كثيرة بينّا منها الجهل والتخلّف العقلي والأنحطاط الروحي والأنحراف الديني ، وسنبيّن في بحوث آتية عوامل أخرى .

      وبناء على الموقف الفراري من الأيمان ، اتّهم المصريون القدامى موسى وأخاه هارون بالسحر ، وساووا بين أخاديع سحرتهم المشعوذين وأعاجيب اللّه بواسطة نبيّه . جاء في الكتاب الكريم أن المصريين قالوا : ” ان هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى . فأجمعوا كيدكم ثم أأتوا صفا” وقد أفلح اليوم من استعلى “(35) . وكان البابليّون يعدّون دانييال النبي من السحرة ، وقد سمّاه نبوخذنصّر ” رئيس السحرة “(36) . وأتهم اليهود وكهنتهم السيد المسيح بالسحر وباستنصار قوّة بعلزبول رئيس الشياطين . جاء في الأنجيل : ” أما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم فقالوا ان فيه بعلزبول وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين “(37) . وورد في القرآن الكريم عن المسيح وبني اسرائيل : ” فلمّا جاءهم بالبيّنات قالوا هذا سحر مبين “(38) . والنبي محمّد نفسه مع أنه لم يشتهر بمعجزات ماديّة باهرة كالأنبياء السابقين ، اتهمه أخصامه بالسحر ، وأعتبروا القرآن الشريف ، لأعجازه عملا” سحريّا” : ” واذ تتلى عليهم آياتنا بيّنات قالوا الذين كفروا للحقّ لما جاءهم هذا سحر مبين ” (39). وما أتى نبيّ ببعض اعجاز الاّ ألصق به أعداءه تهمة السحر .

      هذه الفئة من الناس الخالطة الأكاذيب السحريّة بالمعجزات الربّانيّة قد تكون الأكثريّة في كل عهد نبويّ ، ولا يؤثر في موقفها عظمة الخوارق ولا عددها ، لأنها دون مستوى ادراكها ودون استحقاقها نعمة الأيمان بها ، ولأن تؤيل المعجزة تأويلا” سحريّا” عملية اضطراريّة بالنسبة لها ، تلجأ اليها لصيانة كيانها ومعتقداتها القديمة . قال تعالى : ” ولو فتحنا عليهم بابا” من السماء فظلّوا فيه يعرجون لقالوا انما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون “(40) . كذلك قال سبحانه : ” ولو نزّلنا عليك كتابا” في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا أن هذا الاّ سحر مبين “(41) . وان ألحّ الناس في عصيانهم وتمادوا في ضلالهم ، زادهم اللّه ضلالا” وأعمى قلوبهم وصرفهم عن رؤية الحقّ . قال عزّ وجلّ : ” سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق ، وان يروا كل آية لا يؤمنوا بها ، وان يروا سبيل الرشد لا يتّخذوه سبيلا” ، وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا” ذلك بأنّهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين “(42) . كما قال الربّ مخاطبا” أشعيا النبي : ” انطلق وقل لهؤلاء الشعب اسمعوا سماعا” ولا تفهموا وأنظروا نظرا” ولا تعرفوا . غلّظ قلب هذا الشعب وثقّل أذنيه وأغمض عينيه لئلا يبصر بعينيه ويسمع بأذنيه ويفهم بقلبه ويرجع فيشفى “(43) .

الخوارق هي من سلطان اللّه وحده

أوضحنا في الفصل الأول من هذا البحث (44) أن السحر من الوجهة العقليّة والعلميّة هو مجرّد وهم أو خداع يؤخذ به المتخلّفون عقليا” وينطلي على الجاهلين . فأي عمل يعجز انما يعني خرقا” لقوانين الطبيعة ، وهذه أزلية ثابته يستحيل خرقها . أمّا من الوجهة الدينيّة ، فالكتب المقدّسة تؤكّد ما يذهب اليه العلم والعقل مستدركا” عليهما موقفهما بأن القوانين الطبيعيّة اذا استحال خرقها على المخلوق فلا يستحيل على الخالق ، لأن من أوجد الشيء وسرّه كان في قدرته وحده أن يوقف عمله . واذ يقول سبحانه : ” وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين “(45) ، يقرّر أن الخلق لم يكن عبثا” ، ولذا فالنواميس التي تسوده وتضبط أحكامه وطرقه وأهدافه لا يمكن أن يأتي خرقها عن لهو أو صدفة أو قصد نفعي انما يقوم به تعالى من أجل غايات سامية خطيرة منها : تأكيد وجود اللّه وعالم الروح ، وأثبات قدرة البارىء المطلقة وسيطرته وحده على القوانين التي أوجدها ، وخصوصا” تأكيد الأصل الألهيّ للرسالات السماويّة التي يسلّمها عزّ وجلّ أنبياءه ويمهرها بخاتم المعجزات – أي الآيات التي تدع الناس جميعا” عاجزين عن اتيان مثلها ، بالطريقة نفسها ، وبالتالي مضطرّين الى الأقرار بمصدرها الألهي .

     يقول السيد المسيح : ” هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي بأن الآب قد أرسلني “(46) . وكون المعجزات شهادة الهيّة أكّده بولس الرسول أيضا” حيث قال : ” وشهد به اللّه بآيات عجائب وقوّات متنوّعة وتوزيعات الروح القدس على حسب مشيئته “(47) . فالمعجزات اذا” ، شهادة للأنبياء بأن ما يقومون به هو من اللّه ، ومن أجل هذه الغاية ، لا يمكن أن يحدث المعجزات أحد سوى اللّه والاّ فسد منطق الخلق وترتيب الكون ، وبطلت الغاية من العناية الألهيّة التي تضع نور المعجزة أمام الناس ليتأكّدوا من مصدرها القدّوس ويهتدوا بها الى المرسلين .

      وقد أكّدت أسفار العهد القديم والعهد الجديد بصور وأساليب مختلفة أن اللّه وحده صانع المعجزات . فقد ورد في المزامير : ” أنت الأله الصانع المعجزات “(48) . وفي سفر أشعيا النبي يظهر أن الخوارق ، ومن بينها علم الغيب ، هي من خصائص اللّه وحده ، وان من قام بها استوى معه عزّ وجلّ على صعيد الألوهة ، ومحال أن يشاركه أحد ، من خلقه في الوهته : ” هاتوا دعواكم يقول الربّ . هلموا حججكم يقول ملك يعقوب . ليبدو ويبيّنوا لنا الحوادث . بيّنوا السالفات ما هي فنتأمّلها ونعلم منتهاها . أو أسمعونا المستقبلات . بيّنوا ما سيأتي فيما بعد فنعلم أنّكم آلهة “(49)  فلا نبوءة تحدث ولا معجزة تحصل الاّ بقوّة الروح الالهي الذي يحتل النبي أو المرسل . يقول بطرس الرسول : ” لم تأت نبوءة قط عن ارادة بشر ، بل انما تكلّم رجال اللّه القديسون محمولين بالهام الروح القدس “(50) . وقال بطرس الرسول : ” ان للمواهب أنواعا” لكن الروح واحد . وللأعمال أنواع لكن اللّه واحد الذي يعمل الكل في الكل . وانما يعطي كل واحد اظهار الروح للمنفعة فيعطى واحد بالروح كلام الحكمة وآخر كلام العلم بذلك الروح عينه ، وآخر الأيمان بذلك الروح عينه ، وآخر مواهب الشفاء بالروح الواحد ، وآخر صنع المعجزات وآخر النبوّة ، وآخر تمييز الأرواح ، وآخر أنواع الألسنة ، وآخر ترجمة الألسنة . وهذا كلّه يعمله الروح الواحد بعينه موزعا” على كل واحد كيف شاء “(51) . وهكذا نرى الأنبياء والرسل يتحدثون في مواضع كثيرة من العهدين القديم والجديد عن اجتراح المعجزات بقوّة الروح القدس أو الروح الألهي ، لكننا لا نقع على موضع واحد يتحدّث صراحة عن امكان اجتراح خوارق حقّة بقوّة الشيطان أو الأنسان (52) .

         كذلك أكّد القرآن الكريم أن الخوارق من أمر اللّه ، وقد ألحّ من بينها على علم الغيب ، قاطعا” بأن لا أحد يمكنه كشف المجهول ومعرفة ما سيحصل في المستقبل الاّ اللّه عزّ وجلّ من يتوحّد فيه الماضي والحاضر والمستقبل . يقول الكتاب العزير : ” وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها الاّ هو “(53) . بل انه ينفي علم الغيب حتى عمن في السماوات : ” قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب الاّ أللّه وما يشعرون أيّان يبعثون “(54) .

         حتى الجنّ أنفسهم يعجزون عن معرفة المشتقبل خاصة” وعلم الغيب عامة : ” فلمّا قضينا عليه الموت ما دلّهم على موته الاّ دابّة الأرض تأكل منساته . فلما خرّ تبيّنت الجنّ أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين “(55) ولئن نفى كتاب اللّه قدرة النبوءة وفضّ المجهول عمّن يفوق الأنسان سلطة وقوّة حتى عن سكان السماوات ، فبالأحرى أن ينفيها عن الأنسان أو الشيطان .

         لكنه تعالى ، اذ كان قد اتّخذ الأنبياء وسطاء بينه وبين الناس ، بهم يخاطبهم ويبلّغهم رسالاته ، فانه قد يختار من رسله من يريد ليطلعهم على الغيب : ” وما كان اللّه ليطلعكم على الغيب ولكن اللّه يجتبي من رسله من يشاء “(56) ، ” عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا” الاّ من أرتضى من رسول “(57) . وذلك لا يعني أن النبي بمستطاعه اجتراح معجزة أو اعطاء نبوءة بمجرّد قدرته ، فالخوارق انما يصنعها روح أللّه على يديّه . ليشهد على ذلك حجج كثيرة . يقول السيد المسيح : ” الكلام الذي أكلّمكم به لا أتكلّم به من عندي ، بل الآب الذي هو مقيم فيّ هو الذي يعمل الأعمال “(58) . ويؤكّد بطرس الرسول قائلا” : ” أن يسوع الناصري الرجل الذي أشير لكم اليه من أللّه بالقوّات والعجائب والآيآت التي صنعها أللّه على يديّه فيما بينكم “(59) كما أن القرآن الكريم يورد نفس التأكيد : ” وما كان لرسول أن يأتي بآية الاّ بأذن أللّه “(60) . حتى النبي العربي نفسه عاجز عن علم الغيب ، بل لا سلطان له على نفع نفسه وضرّها الاّ بما شاء أللّه : قل لا أملك لنفسي نفعا” ولا ضرّا” الاّ ما شاء أللّه . ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسّني السوء . ان أنا الاّ نذير وبشير الاّ لقوم مؤمنون “(61) بل لا سلطان له حتى على ضرّ الناس وهدايتهم ، فأنّما ذلك بيد أللّه : ” قل انّي لا أملك لكم ضرّا” ولا رشدا” . قل انّي لن يجيرني من أللّه أحد ولن أجد من دونه ملتحدا “(62) .

              ولئن كان الأنبياء أنفسهم وهم المختارون المفضّلون لدى أللّه على البشر أجمعين لم يعطوا قدرة خرق القوانين الالهيّة وبالتالي صنع المعجزات والنطق بالنبوءات ، فبالأحرى أن لا يعطى البشر الآخرون ذلك . فالبشر ، أيّا” كانوا ، عاجزين عن خلق أي شيء : ” يا أيّها الناس ضرب مثل ، فاستمعوا له أن الذين تدعون من دون أللّه لن يخلقوا ذبابا” ولو اجتمعوا له . وان يسلبهم الذباب شيئا” لا يستنقذوه منهم ضعف الطالب والمطلوب “(63) .

          والبشر أيّا” كانوا لا يعلمون الغيب ولا يستطيعون كشف المستقبل ، لا عن طريق تنجيم ولا عرافة ولا أية شعوذة أخرى :” وما تدري نفس ماذا تكسب غدا” وما تدري نفس بأي أرض تموت غدا” . ان أللّه عليم خبير “(64) .

         والبشر ، أيّا” كانوا لا يقدرون على ايذاء غيرهم بمجرّد مشيئتهم ، ولا على نفعهم ، لمجرّد ارادتهم ، فلا بتعازيم السحر واصابة العين يؤذون ، ولا بعاويذ السحر والرقى يدفعون السوء ويفيدون : ” وان يمسّك أللّه بضرّ فلا كاشف له الاّ هو ، وان يردك بخير فلا راد لفضله ” (65) .

تكذيب الكتب المقدّسة للآخذين بالسحر وتكفيرهم

         ولذا لجأت الكتب المقدّسة الى تكفير من يخدعون الناس من المشعوذين ، سحرة سمّوا أو عرّافين أو منجّمين أو غير ذلك من أسماء المنافقين ، وتكفير من يلجأون اليهم ويؤمنون بهم ، وأظهر بطلان ادّعاءاتهم وكذب أعمالهم ، وخطورة أخاديعهم لما تتضمن من تعدّ أحمق على حقوق أللّه سبحانه وتحدّ أخرق لقدرته ، واضلال للنفوس . جاء في سفر تثنية الأشتراع : ” لا يوجد فيكم من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يتعاطى عرافة ولا مشعبذ ولا عائف ولا ساحر . ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانا” أو تابعة ولا من يستشير الموتى ، لأن كل من يصنع ذلك ممقوت عند الربّ . ولأجل تلك الرجاسات سيطرد الربّ الهك أولئك من وجهك . بل كن كاملا” لدى الربّ الهك ، لأن أولئك الأمم الذين أنت طاردهم يسمعون للمشعبذين والعرّافين ، وأمّا أنت فلم يجز لك الربّ الهك  مثل ذلك “(66) .

         وورد في نيوءة أشعيا : ” أنا الربّ صانع الكلّ ناشر السماوات وحدي وباسط الأرض بنفسي ، مبطل آيات الكذبة ومحمّق العرّافين وراد الحكماء الى الوراء ومسفّه علمهم “(67) . كذلك يقول النبي ساخرا” من السحرة خاصة ” الفلكيين” منهم : ” فليقف راصدوا السماء الناظرون في الكواكب المعرّفون عن رؤوس الشهور وليخلصوك مما هو آت عليك . انّهم قد صاروا كعصافة . قد أحرقتهم النار ولم ينقذوا أنفسهم من يد اللهب ، ولم يبق منهم جمرة يصطلى عليها ولا نار يقعد حذاءها “(68) .

         وورد في نبوءة زكريّا : ” فان الترافيم انما يتكلّمون بالباطل والعرّافين يرون الزور ويتكلّمون بأحلام كاذبة ويعزّون عبثا” “(69) .

         وجاء في نبوءة ارميا : ” فلا تسمعوا لمتنبئيكم وعرّافيكم وحالميكم ومنجّميكم وسحرتكم الذين يكلّمونكم قائلين لم تستعبدوا لملك بابل . فانّهم انما يتنبّئون لكم بالزور ليبعدوكم عن أرضكم ولأدحركم فتهلكوا “(70) .

         وورد في نبوءة ميخا : ” فيخذى الراؤون ويخجل العرّافون ، وجميعهم يلثمون شفاههم لأنه ليس جواب من أللّه “(71) .

         من هذه الجولة الحاسمة يتأكّد لنا أن الكتب المقدّسة موقفها من السحر موقف العلم والعقل السليم . فهي تنكر وجوده كقوّة انسانيّة أو شيطانيّة أو طبيعيّة باستطاعة صاحبها أن يقوم بالأعمال الخارقة وأن يتسلّط على مصير غيره نفعا” أو ضرّا” . وهي تحصر كل عمل معجز في سلطان أللّه . وليس أبعد عن الحقيقة من أن نفهم السحر ، شأن بعض الجاهلين والسذج ، كقوّة تستطيع أن تؤثّر في أبصار الناظرين ومجمل حواسهم ، اذ يزعمون أن فئة من الناس يمكنها بقدرة الايحاء أن تخلق أشكالا” وأجساما” وأصواتا” تكون موجودة باعتبار الحواس وغير موجودة باعتبار الواقع . فهذا يكذّبه المنطق الصحيح ومعنى الايحاء العلمي . واننا سنتناول سنتناول ذلك مفصّلا” في فصل مستقل لاحق .

         فالسحر ان لم يكن مجرّد وهم بدائي مردّه الى الجهل والتخلّف العقلي ، كما بيّنا في الفصل الأول من هذا البحث ، يكون مجرّد خدعة أو حيلة يلجأ الساحر المزعوم اليها ليلهي الناظرين عن دقّة مراقبته ، ويجعلهم يتوهّمون أن ما يطالعهم بغتة انما وجد بغير سبب طبيعي ، بينما تكون سلسلة الأسباب الطبيعيّة العاديّة هي التي ولّدته ، ولكنّه بخفّة يده وأعماله المموّهة الأحتياليّة حاول صرف الأنظار عن متابعتها (72) . واذا أردنا معرفة المدلول الحقيقي لكلمة ” سحر” في الكتب المقدّسة فما علينا الاّ أن نجمع شتاتها حيثما نطق بها أللّه تعالى والأنبياء ، فنقف هكذا على المعنى الذي حمّلوها ايّاه ، لا المعنى الذي منحها ايّاه الأغبياء . يقول الكتاب الكريم : ” فويل يومئذ للمكذّبين الذين هم في خوض يلعبون ، يوم يدعّون الى نار جهنّم دعّا” . هذه النار التي كنتم بها تكذبون . أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون “(73) . فكلمة “سحر” هنا لا يمكن أن تفسّر الاّ بمعنى الوهم والكذب . كذلك قال تعالى في كتابه العزيز : ” فلمّا جاءهم الحقّ من عندنا قالوا ان هذا لسحر مبين . قال موسى أتقولون للحقّ لمّا جاءكم أسحر هذا ، ولا يفلح الساحرون “(74) . فالمصريّون اذ رأوا معجزات النبي ساووها بمخرقات سحرتهم ، فكان جواب موسى بأنّكم كيف جعلتم معجزات أللّه خداعا” ، فالسحر حيلة لا بدّ من أن تفضح ، والمعجزات ثابتة صامدة . ويتأكّد معنى الكذب والمكر في السحر بالآية الكريمة القائلة : ” انما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى “(75) . ف ” الكيد” لغة لا يعني الاّ الخداع والحيلة السيّئة . فهذا هو المعنى الحقيقي الذي رآه أللّه لا الناس في  ” السحر ” . وبهذا المدلول نطق النبي أشعيا اذ قال : ” السالكون باستقامتهم يدخلون في السلام ويستقرّون في مضاجعهم . أمّا أنتم فاقتربوا الى هنا يا بني الساحرة نسل الفاسق والزانية “(76) .

         وبهذا المعنى نفسه معنى الخداع والكذب والمكر ، استخدم المسيح الكلمة حيث قال مخاطبا” “بابل” الحديثة : ” ولا ينير فيك من بعد نور المصباح ولا يسمع فيك صوت العروس وعروسه لأن تجّارك كانوا عظماء الأرض وبسمِّ سحرك ضلّت جميع الأمم “(77) .

شواهد تاريخيّة على عجز السحرة وخداعهم

         وبصورة عملية واقعيّة ، أبانا الكتاب المقدّس أن السحرة أيّا” كانوا ، أعجز من أن يقوموا بأي عمل خارق . حتى الحيلة نفسها لا تأتي لهم متى أحكمت المراقبة على أعمالهم . وحسبنا أن نشير الى أربعة شواهد تاريخيّة :

   ورد الأول في سفر التكوين ومفاده أن فرعون رأى حلما” ” انزعجت نفسه منه ، فبعث ودعى جميع سحرة مصر وجميع حكماءها فقصّ فرعون حلمه عليهم فلم يكن من يعبّره لفرعون “(78) .و بعد ان أخبر بمقدرة يوسف دعاه و قال له:” قد رأيت حلما” و لم يكن من يعبره ، و قد سمعت عنك أنك اذا سمعت حلما” تعبره . فأجاب فرعون و قال : لا بعلمي بل الله يجيب فرعون بالسلام “(79) . ثم فسّر يوسف بالهام من الله حلمه و تحقق ما فسّر(80) .

    والثاني ورد في الفصل الثاني من نبوءة دانيال، و مفاده ان نبوخذنصر ملك بابل حلم حلما” انزعجت نفسه منها حتى نسيها.” فأمر الملك ان يدعى السحرة و الجوس و العرافون و الكلدانيون ليبينوا للملك أحلامه”(81) . و اذ حضروا  و طلب منهم ذلك ، قالوا:” أخبر عبيدك بالحلم فنبين تعبيره. فأجاب الملك و قال للكلدانيين:قد خرج مني قول أنكم ان لم تعلموني الحلم و تعبيره تقطّعون قطعا” و تجعل بيوتكم مزابل. و ان بينتم الحلم و تعبيره تنالون مني هدايا و جوائز و اكراما” كثيرا” ،فبينوا لي الحلم و تعبيره . فأجابوا ثانية و قالوا:ليخبر الملك عبيده بالحلم فنبيّن تعبيره .

     فأجاب الملك و قال :اني أعلم يقينا” انّكم تتكسبون شيئا” من الزمان اذ رأيتم ان القول قد خرج مني . انكم ان لم تعلموني بالحلم فأمر كم في ذلك انكم قد اتفقتم على كلام كاذب فاسد تتكلمون به امامي الى ان يتحول الزمان. لذلك أخبروني بالحلم فأعلم أنكم تبينون لي تعبيره. فأجاب الكلدانيون امام الملك و قالوا: ليس على الأرض انسان يستطيع ان يبين أمر الملك ، و ليس ملك عظيم ذو سلطان سأل ساحرا” او مجوسيا” او كلدانيا” عن امر مثل هذا، و الأمر الذي سأل الملك عنه عويص و لا أحد يبينه امام الملك ما خلا الآلهة الذين لا سكن لهم مع البشر . فعند ذلك غضب الملك و حنق جدا” و أمر باستئصال جميع حكماء بابل “(82) . و اذ بوشر تنفيذ أمر القتل ، قبض على دانيال النبي أيضا” لأنهم كانوا يحسبونه من جملة السحرة . لكن الله أنقذه بأن ألهمه صورة الحلم و تعبيره فأطلع الملك عليه(83) . ” حينئذ خرّ الملك نبوخذنصّر على وجهه و سجد لدانيال و أمر ان تقرب له تقدمة بخور و رضى. و أجاب الملك دانيال و قال : ان الهكم هو اله الالهة حقا” و لرب الملوك اذ قد استطعت كشف هذا السر”(84).

     أما المثل التاريخي الثالث فقد ورد في الفصل الرابع من نبوءة دانيال، و فاده ان نبوخذنصر حلم حلما” اخر أفزعه و أقلقه ، لكن الحلم لم ينسه هذه المرة. فأمر باحضار جميع حكماء بابل ليعلموه تعبيره. “فحضر السحرة و المجوس و الكلدانيون و المنجمون”(85) ، لكنهم عجزوا عن تفسير الحكم ، الى ان دخل اليه أخيرا” دانيال النبي ففسره.

   أما المثل الرابع فقد جاء في الفصل الخامس من نبوءة دانيال نفسها . و فاده انه بينما كان بلشصّر ملك بابل في لهو و مجون مع ألف من عظمائه ” ظهرت أصابع يد انسان و كتبت تجاه المصباح على كلس حائط قصر الملك ، و الملك ينظر طرف اليد التي تكتب. حينئذ تغيرت سحنة الملك و أقلقته أفكاره و انحلت عقد حقويه و اصطقت ركبتاه، و صرخ الملك بصوت شديد ان يدخلوا العرافين و الكلدانيين و المنجمين. و أجاب الملك و قال لحكماء بابل : كل من يقرأهذه الكتابة و يبين تعبيرها يلبس الأرجوان و يتقلّد طوق ذهب في عنقه و يكون الثالث في سلطان المملكة ، فدخل جميع حكماء الملك فلم يستطيعوا أن يقرأوا الكتابة و لا ان يعلموا الملك بتعبيرها “(86) . لكن دانيال النبي كان الوحيد الذي قرأها و فسرها، بالهام من روح الله، و كانت تتألف من كلمات ثلاث.

       من هذه الشواهد التاريخية الأربعة نستخلص أن سحرة مصر و بابل بجميع فئاتهم- سواء اعتبر الشعب “قوتهم” صادرة عن علم خفيّ او عون شيطان  او غير ذلك-وضعوا كلهم أمام تجارب تقتضي قدرة غير عادية و فشلوا فيها كافة. فشلوا في معرفة حلم نسيه صاحبه ، و انما الحلم أفكار و صور موجودة في النفس، و لو استخدمنا عبارة حديثة شائعة لقلنا: فشلوا في ” قراءة الحلم” و بالتالي في” قراءة الأفكار”  المصورة في عقل الانسان ، و هذا ينفي ، بصورة واقعية تاريخية، وجود أناس-حتى في صفوف العرافين و المنجمين و السحرة – بمقدورهم “قراءة أفكار” غيرهم ،و سنعود الى تفصيل هذا الموضوع في فصل مستقل لاحق . لكنهم تذرعوا بأنهم لو عرفوا الحلم لفسّره ، فكانت لهم تجربة ثانية و هي تفسير حلم معروف الصورة ، لكنهم فشلوا أيضا” ثانية . و تفسير الأحلام ليس بمعجزة و لا هو عمل غير عادي، ذلك بأنه يمكن تعبير أحلام الانسان انطلاقا” من حوادث مرّت عليه او أفكار و وساوس أقلقته، او مؤثرات حسية خارجية او داخلية أثرت فيه أوان نومه او  يقظته، او تكونه النفسي العام ، لكن الحلم التجربة كان يحمل في طياته نبوءة في عجز السحرة ” حكماء” عن تعبيره لعجزهم  عن كشف المستقبل اما التجربة الأخيرة فتأكد، من جهة ،عجز الانسان ، ليس فقط عن “قراءة أفكار” غيره، بل أيضا” عن قراءة اية لغة يجهلها (87) . و من جهة ثانية ،عجزه ليس فقط عن كشف المستقبل المقطوع عن الواقع الراهن ،بل حتى عن استجلاء خطوط مستقبل رسمت معالمه في واقع مبهم .

ذلك مع العلم أن سحرة مصر و بابل يتخذهم المؤمنون بالسحر و توابعه المصدر الأعظم و الأقوى لتعليم السحر . فعنهم يقولون ،ان العلوم الخفية و المعارف السرية  نقلت الى من جاء بعدهم. فاذا أثبت البرهان الواقعي عجزهم عن القيام بأي عمل خارق، و أكد، بالتالي، أنهم مجرد مخادعين محتالين و أناس عاديين، و هم “المعلمون” الكبار لكل من جاء بعدهم و ترسوا خطاهم فكيف التلاميذ الصغار و الأتباع المقلدون . و من الجدير بالذكر ان الملك وعد سحرة بابل بمكافأتهم مكافأة عظيمة اذا كشفوا الحلم و تعبيره ،و أنذرهم بأهلاكهم بتقطيعهم قطعا” و جعل بيوتهم مزابل ، اذا لم يعرفوه. و ليس من موقف أحرج و أخطر و أدعى الى الخروج منه بسلامة و عزة كموقفهم ، و ليس من موقف أدعى الى لجوئهم الى اية قوة انسانية اة شيطانية او خفية أخرى-ان وجدت- يتمكنوا من تحاشي المصير المفجع الذي ينتظرهم كموقفهم و مع ذلك لم يستطيعوا انقاذ انفسهم لأن ما يستندون اليه في ادعاءاتهم ان هو الا اكاذيب و أخاديع كانوا يغشون بها بسطاء العقول.وللاسف ما زال خلفاءهم من المشعوذين متربعين ، حتى يومنا هذا، في أفخاخ الكثيرين .

     على ضوء البراهين الدينية الساطعة المتقدمة يجب ان نفهم كل اشارة عن السحر وردت في الكتب المقدسة. ففي هذه الأسفار خط فكري روحي عام هو الذي يجب ان يقودنا الى تفسير التفاصيل التي قد لا تكون واضحة ، و فيها القواعد التي عليها يجب ان يبنى تأويل كل معنى غامض او شارد او يحتمل عدة اوجه، و الخط العام و القواعد هي نفسها في العهد القديم و العهد الجديد و القران الكريم ، و خلاصتها ان المعجزة عمل الهي سامي الغاية لا يستطيعه الا الله سبحانه، و أن السحر بجميع وجوهه و ملحقاته مجرد وهم و خدعة و ليس له قوة خارقة، و لا يجوز ان يقع التناقص بين موضع من الكتب المقدسة و موضع اخر، لأنها كلها أوحيت من قبل روح قدوس واحد، و الا فذلك يعني ان الله عزّ و جلّ يناقض نفسه ، و هذا الزعم لا يتجرّأ عليه الا كل مشكّك و كافر.

نقلاً عن مجلة بروق و رعود 1968

  1. Albert Einstein, comment je vois le monde, tr.de   l’allemand, Flammarion, 1963, p. 210.
  2. Leroy, la raison primitive B.TYLOR, primitive Culture THORNDIKE, A History of magic.
  3. G.FRAZER, the Golden Bough, London, 1963 BAUMAN et WESTERMAN, peuples et  Civilisations de l’Afrique, Payot.H.NICOD, la vie mysterieuse de l’Afrique Noire, Payot.
  4. BONNEFOY,Science et Magie, La Nouvelle Encyclopedie, Paris, 1967.
  5. M.VERGIAT, Les rites secrets des primitifs de l’oubangui, Payot.
  6. DESCHAMPS, Les religions de l’ Afrique Noire,  P.U.F. 1965, p.63
  7. ESSERTIER, Les formes inferieures de l’ explication.
  8. MALINOWSKI, Argonauts of western Pacific- “Magic Science and Religion” in science, Religion and Reality ed. Needham, 1925.
  9. BERGSON, Les deux sources de la morale et de la religion, P.U.F.1967. p. 170-179.
  10. FRAZER, the Golden Bough, London,     Macmillan & Co Ltd, 1963, p. 425.
  11. Idem , p. 102-105.
  12. Encyclopaedia Britannic, 1964, vol. 14, art. Magic , p. 624.
  13. LEVY-BRUHL, La Mantalite primitive, Alcan.
  14. BACHELARD, La formation de l’esprit scientifique, Paris , Vrin.
  15. BERGSON, Les deux sources de la morale et de la religion, P.U.F., 1967, p. 181
  16. A.RONY, La Magie < P.U.F.,1959,.p.94
  17. MAX PLANCK, L’image du monde dans la physique moderne, tr. De l’ Allemand, Gonthier, Suisse, 1963, p. 6
  18. G.FRAZER, The Golden Bough ,A Study in Magic and Religion, Ab.ed., London ,Macmillan & Co., 1963, p. 65
  19. BERGSON, Les deux sources de la morale et de la religion , 164e ed. Paris, P.U.F. 1964, pp. 183-190.
  20. FRAZER, the Golden Bough, p. 77.
  21. المصدر السابق نفسه ، و اننا سنتناول ايضاح العامل النفسي اللاشعوري الذي وراء الايمان بالخرافات السحرية في فصل مستقل لاحق.
  22. المصدر السابق نفسه ص:82
  23. A.RONY , La Magie, Paris.P.U.F. , 1959, pp. 101-103
  24. FRAZER, The Golden Bough , p. 65 & 66
  25. رسالة يعقوب : الفصل الثاني ، الآية 19،20،24
  26. رسالة يعقوب: الفصل الأول، الآية 27  
  27. نبوءة ميخا: الفصل السادس، الآية 8
  28. سورة البقرة ، الآية 62
  29. FRAZER, The Golden Bough, p. 68.
  30. ALLIER, Magie et Religion, p.212
  31. MALINOWSKI, ‘Magic, Science and Religion” in Science, Religion and Reality, ed. J.A.Needham,1925.
  32. راجع مقال “نقد السحر”  في العددين الأول و الثاني من مجلة “بروق و رعود”
  33. A. RONY, La magie, p. 108
  34. BERGSON, Les deux sources de la morale et de la religion ,p. 183.
  35. A.RONY, La Magie, p. 107 & 103.
  36. انظر العدد الثالث من هذه المجلة  
  37. ان هذا الموقف الفراري من الايمان يلبس اليوم، لدى الكثير من “المثقفين” ثوبا” سحريا” حديثا” يسمونه تارة الايحاء ، و طورا” التنويم المغنطيسي، و مرة اخرى موهبة طبيعية ، و غير ذاك  من تسميات مموهة ، و هم بذلك يريدون تحاشي الأخذ بمعنى السحر القديم لئلا يقال عنهم متخلفون ، و انما التسميات الحديثة مجرد اقنعة يغطون بها الوجه القديم.  و اننا سنفضح هذه الأكاذيب الكبرى في فصول لاحقة.
  38. انجيل يوحنا 5: 46 و47
  39. سورة طه : 63و64. انظر ايضا” سورة القصص: 36،و سورة غافر:34
  40. نبوءة دانيال 4: 56، و5: 11
  41. انجيل مرقس 3 : 22. انظر أيضا” انجيل متى 10 : 25 و12:24 و 27، و انجيل لوقا :15
  42. سورة الصف: 6 انظر كذلك سورة المائدة:11
  43. سورة الأحقاف : 7. انظر ايضا” سورة الزخرف:30، و سورة ص: 4
  44. سورة الحجر : 14 و 15
  45. سورة الأنعام : 7
  46. سورة الأعراف: 146
  47. نبوءة أشعيا 6: 9 و10
  48. انظر العددين الأول و الثاني من هذه المجلة
  49. سورة الأنبياء: 16
  50. انجيل يوحنا 5: 36
  51. رسالة بولس الى العبرانيين 2: 4
  52. مزمور 76: 15
  53. نبوءة أشعيا 41: 21-23
  54. رسالة بطرس الثانية 1: 20  و21. أنظر أيضا” سفر الملوك الأول 10 : 6 و 10 ، 19: 20-23
  55. رسالة بولس الأولى الى أهل كورنتس12: 4-11
  56. – ورد في الكتاب المقدس اشارات قليلة جدا” الى أعمال اولاها القارئ غير الفطن تأويلا” سحريا” او شيطانيا” و يلبسها ثوب المعجزات خطأ . و انا سنتناولها بالايضاح في البحث المقبل. اما الروح الذي به تتم المعجزات ، فلا سلطة لانسان عليه. وقد ورد في الكتاب المقدس: ” ليس لأحد سلطان على الروح فيضبطه”(سفر الجامعة 8:8)
  57. سورة الانعام : 59
  58. سورة النمل:65
  59. سورة سبأ:14
  60. سورة ال عمران:179
  61. سورة الجن: 26و 27
  62. انجيل يوحنا 14: 10
  63. أعمال الرسل 2: 22. انظر ايضا” انجيل متى 12:27-28،و انجيل لوقا11: 19 و 20
  64. سورة غافر:78
  65. سورة الأعراف: 188
  66. سورة الجن: 21-22
  67. سورة الحج: 73
  68. سورة لقمان:34
  69. سورة يونس: 107، انظر ايضا” سورة الرعد :12، سورة الأحزاب:17، سورة الفتح:11
  70. تثنية الاشتراع 18:10-15
  71. نبوءة أشعيا 44: 24-25
  72. نبوءة أشعيا 47: 13-13 -14. انظر ايضا” 8: 19 و 20
  73. نبوءة زكريا10: 2
  74. نبوءة ارميا 27: 9 و 10. انظر ايضا” 29: 8-9
  75. نبوءة ميخا3: 7
  76. حملت كلمة “سحر” مع الأيام معنى مجازيا” دخل الأدب ، فقيل: حسناء ساحرة و منظر ساحر و كلام ساحر ، و المعني بذلك قوة الجاذبية و الجمال. و انما بحثنا في المعنى الموضوعي للكلمة لا المجازي
  77. سورة الطور: 12-16
  78. سورة يونس: 76-77
  79. سورة طه: 69. انظر ايضا” سورة المؤمنين:88-89
  80. نبوءة أشعيا57: 2-3
  81. رؤيا يوحنا 17: 23
  82. سفر التكوين 41: 8
  83. سفر التكوين41 :15-16
  84. انظر تفصيل ذلك في سفر التكوين: مجمل الفصل 41
  85. نبوءة دانيال 2:2
  86. نبوءة دانيال 2: 4-12
  87. انظر تفصيل ذلك في نبوءة دانيال 2: 13-45
  88. نبوءة دانيال 2:46-47
  89. نبوءة دانيال4:4
  90. نبوءة دانيال 5:5-8. انظر سائر اخبار الحادثة في مجمل الفصل الخامس
  91. لا يدخل في ذلك حل رموز اللغات القديمة، لأن العلماء يتوصلون الى استجلاء معانيها، لا عن طريق استلهام قوة خفية، انما عن طريق علمي بحت يقوم على جمع الوثائق الكثيرة و مقابلة حروفها و رموزها و غير ذلك من القواعد
إقرأ أكثر
2024 © All Rights Reserved

Address: Alexandria, Virginia, 
Cell: 
Email: info@lightandfire.net 

error: Content is protected !!