Logo

القلم يبكي والحبر يستغيث

من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر

الدكتور داهش والداهشيَّة

Archive By Fares Zaatar

قصصٌ غريبة وأساطيرٌ عجيبة

الكوكب فومالزاب -

      واقترب الكوكب فومالزاب من الكرة الأرضية التي يقطنها البشر، وأصبح على مسافة عام من النور(1) منها. وهذا الكوكب بلغ من الحضارة الشأو الأعلى.وهو يقترب من الأرض كل مليار عام.ويمكث بمركزه الجديد عاماً كاملاً ثم يعود إلى مركزه السابق.

      وقد أمر إمبراطور الكوكب أن تجهز السفن الكونية الثلاث لتذهب إلى الأرض. فالكوكب عندما تنتهي مدة اقترابه من كوكب الأرض ويعود إلى مركزه الكونيّ،تحتاج المركبة التي تسير بسرعة النور لتصل إليه ملياراً ونصف مليار عام. وفي كل مليارين من الأعوام يعود فيقترب من كوكب الأرض فيصبح على بعد عام من النور عنه.

      وجهزت المراكب الثلاث. فالأولى تحمل على متنها 200 رجل. والمركبة الثانية وضعت بداخلها الآلات الإلكترونية التي يمكن أن يتصل بواسطتها رجال السفينة بكوكبهم الحبيب،كما يستطيعون أن يشاهدوا بعضهم بعضاً بأثناء المخابرة الكونية.كما وضعت بها آلات مُعقدة تُستَخدم لدكّ الجبال وترديمها،إذ لزم الأمر، ولحفرِ أعماقٍ سحيقة. وغيرها من الآلات الصغيرة بحجمها الكبير بفعلها، فهي تستطيع أن ترفع أثقالاً هائلة بينما هي بعيدة عن هذه الأثقال، إذ تكفي لمسة على الجهاز العجيب ليتمُّ رفع تلك الأثقال لإرتفاعات شاهقة.

      أما المركبة الثالثة فقد وضعت فيها الأجهزة التي تصنع بها الأطعمة بمختلف أنواعها. فهذه الآلات العلمية الدقيقة بإمكانها أن تحيل ما يوضع في داخل الأوعية من قشورٍ ونفاياتٍ لطعامٍ لذيذٍ بدقيقةٍ واحدة. إذ تتحوَّل النفايات إلى كتلةٍ كالعجين يكيّفها الجهاز لأرغفة جاهزة للطعام تتَّخذ طعماً لذيذاً للغاية. كما يستطيع هذا الجهاز الإلكتروني أن ينوّع مذاق الأطعمة حسبما يُراد لها أن تكون. وقد ثُبِّت بهذه المركبة أيضاً جهاز يجعل الطقس حاراً أو بارداً،كما يستطاع أن يبقي الطقس صحواً أو ممطراً. وكذلك وُضع فيها جهاز كعربة تستوعب ستة رجال كوكبيين، وتسير بهم بسرعة على الأرض أو الماء أو بالفضاء.

      وجهزت المركبات الفضائيَّة الثلاث، وأديرت مُحركاتها دون أن يصدر عنها صوت وكلٌّ منها بطوابق ستة.

      وقد اجتمع عليَّة القوم والمسؤولين من رجال الحكم ليودعوا الراحلين. وانطلقت المركبات بسرعة هائلة وإذا بها تغيب عن الأنظار.

      وكلّ مركبة كونيَّة يقودها أربعة قباطنة، إذ هي مستطيلة كالقلم، لكن داخلها لولبيّ. فيجلس القائد وهو مُمسك بعصا القيادة، وكذلك بنهاية المركبة قائد آخر، وعلى جانبيها الأيمن والأيسر القائدان الآخران. وأمام كلّ منهم نافذة عليها مادَّة شفَّافة لا يستطيع الرصاص أو ما هو أشدّ مفعولاً منه أن يخترقها، ومنه يشاهد القادة طريقهم.

      إذاً المركبة يقودها أربعة رجال، ولكن بانتظام. فالقائد الأساسي هو احدهم. وإذا لزم الأمر أن تتجه المركبة إلى الناحية اليمنى، فمن الصعوبة أن يتمَّ اتجاهها وهي تسير بسرعة النور، فبمحاولتها للإتجاه إلى الناحية اليمنى تكون قد قطعت مئات الآلاف من الأميال وأصبحت بعيدة عن هدفها. فوالحالة هذه، يُضاء نورٌ بنفسجيٌّ أمام القائد الذي يجلس على الميمنة، فيقودها فوراً لاتجاهها الصحيح. وإذا كان الهدف الناحية اليسرى، أُضيء النور البنفسجي أمام الجالس من تلك الناحية فيقودها فوراً، بينما تُطفأ محركات الرأس الأمامي والخلفي والجانب الأيمن. وإذا أريد أن تسير المركبة باتجاه معاكس لتبلغ هدفها، تعطى إشارة الضوء البنفسجي للقائد الجالس هناك فيقودها لهدفها.

      كان الرجال المئتان يصغون لموسيقى كوكبهم المشنِّفة للآذان وهم يشاهدون البرنامج أيضاً.بينما سفينتهم تسير بسرعتها الخارقة التي تعجز عنها اختراعات الأرض.

      الرجال أقزام. فارتفاع الطويل منهم 35 سنتيميتراً. لكن لديهم طاقة مُذهلة.فالقزم منهم يستطيع أن يرفع أثقالاً يعجز عنها عشرة رجال من رجال الأرض!

      أما حديثهم فيتمُّ بواسطة النفخ. فعندما يتحدثون ينفخون حيناً بأفواههم وحيناً بأنوفهم، وهذه النفخات تؤلف لغتهم الكوكبية. ومنها الصفير المتنوع فهو تتمَّة اللغة الفومالزابية.

      أما عيونهم فحجمها كرأس المسمار، وسرعتهم بالركض والقفز خارقة، وآذانهم مستطيلة، وبقدرِ استطالة الأذن يكون ذكاء المرء أو عدمه. فمن تستطيل أذنه حتى تبلغ الأرض-رجلاً كان أم امرأة-فذكاؤه عجيب، وهو محترمٌ للغاية.

      امرأة واحدة فقط رافقتهم، وهي زوجة رئيس الحملة، وقامتها 30 سم. وهي تعتبر من المُلسنات، فحديثها النفخي لا يجارى، وهي مُثقَّفة رغم صغر سنها، فهي في عامها الألفي، أي في ربيع عمرها وزهرة صباها فسكان فومالزاب يعمّر كل منهم 6000 عام. ومديدو الحياة-وهم قلَّة-تمتدُّ أعمارهم حتى السبعة آآلاف من الأعوام.

      والمرأة بطبيعتها تحب الزينة. لهذا كانت زوجة قائد الحملة تنفث بفمها من جهاز صغير بطول الإصبع، فتخرج منه مادَّة تتَّخذ شكل دائرة تستطيع أن تشاهد فيها وجهها. ثم تذوب هذه الدائرة في الفضاء وتتلاشى المرآة.

      أما زوجها فعمره 2000 عام وهو أقلّ ثقافة منها. وقد حاول منعها من مرافقته، ولكنه لم يستطع أن يفرض إرادته عليها، فهو متأكد أن الرجال يستميتون في سبيلها، وكلٌّ منهم يتمنَّى أن تكون زوجة له إذا انفصل عنها، والسعيد منهم من تختاره. ولهذا رضخ لرغبتها، فرافقت الحملة. وكان جميع من في المركبة ينفذون رغباتها فوراً والسرور يغمرهم إذ أسرتهم بأنوثتها البادية للعيان.

      عاماً كاملاً أمضته السفن وهي تقطع محيطات الفضاء وأوقيانوساته بسرعة النور. وكانوا بأجهزتهم الدقيقة المذهلة يشاهدون الأرض وما يجري فيها من خيرٍ وشر.

      كما كانت أجهزتهم العلمية الخارقة تتيح لهم أن يأخذوا نسخاً عن الصحف اليومية والأسبوعية والكتب التي تصدرها المطابع. وكان جهاز الكتروني يترجمها للغة كوكبهم فومالزاب. فيطالعون ما خطَّته أقلام أهل الأرض، وهو لا يضارع آدابهم الرفيعة وثقافتهم العالية.

      وكانت سافاليا زوجة رئيس الحملة تقضي أكثر أوقاتها في الحديقة حيث تجلس بين ورود كوكب فومالزاب العجيبة الأشكال تقطف منها باقة عطرة، وتشبك وردة بشعرها لتشبع غرورها النسائي. وكانت الحديقة تضمُّ عدداً كبيراً من أشجار الكوكب الغريبة المنظر والعطرية الرائحة. وكانت سافاليا تصغي لتغريد طيور زرقاء وكحلية وإسمانجونية وقوس قزحية، وكان صدحها وكأنه موسيقى تعزفها السماء. وفي أحد الأيام استخفَّها الطرب وهي تجلس بين الأزهار بحديقة المركبة الكونية،كانت بلابل الكوكب ذات الألوان المتعدِّدة تغرِّد أغاريد البهجة وهي تتنقل على الأغصان الملوَّنة أيضاً، فأنشدت سافاليا النشيد التالي:

أنا سافاليا الجميلة

تحملني المركبة ياتانيا منطلقةً بي بسرعة النور

وانا أجلس في جنَّةٍ مُصغَّرة تمثل جنَّات فومالزاب كوكبي المفدَّى،

تحيط بي مجموعة من ورود وأزهار جمالها عجيب غريب.

وبلابل كوكبي ينشدنني أغاريدهنّ العذبة،

تشاركهنّ طيور بلادي التي اشتقت إلى ربوعها المُذهلة الفتنة.

وأنا اودُّ ان أبلغ كوكب الأرض،

لأشاهد عالماً غير عالمي العظيم،

جائبة رحابه طاوية سهوله، مخترقة جباله،هابطة أوديته.

ثم يحدوني الشوق للعودة إلى مدينة أحلامي فومالزاب

فأطير إليها بخيالي، ثم تحلّق بي ياتانيا،

عائدة بي إلى وطني الحبيب،

حيث ولدت وحيث سأموت وأدفن بربوعه المقدَّسة.

      كان الإتفاق قد تمَّ على المكان الذي سيهبطون فيه، وقد اقتربوا منه وكانوا على ارتفاع عشرين مليوناً من الأميال فوقه. وإذ ذاك أوقف القائد محركات السفينة وكذلك السفينتين الأخريين، وأشعلوا محركات أخرى سرعتها عادية، وابتدأوا بالهبوط.أخيراً، استقرُّوا في سهلٍ ممتد المسافات.

      وصادف دقيقة هبوطهم مرور قافلة من الجمال، ففغر رجال القافلة أفواههم عجباً مما شاهدوه، واقتربوا من مكان المركبات، وإذا بهم يتطايرون بالفضاء.

      وشاهدوا رجالاً قصار القامة ينفخون باستمرار بقوة وعصبية، وفهموا من نفخهم وإشاراتهم اليدوية أنهم يطلبون منهم الابتعاد فوراً. فولوا الأدبار، والخوف قد هزهم هزاً.

      وتوقفت المحركات، وضغط قائد المركبة الأم على جهاز داخليّ، وإذا بقبةٍ كالخيمة من المعدن تظلِّل المركبة، وكذلك فعل الفائدان الآخران بمركبتيهما.

       وتجمهر أهل القرية لمشاهدة أعجب ما يمكن أن تشاهده العيون، والدهشة مرسومة على وجوههم. وذهب عدد من رجال السفينة إلى غابة تبعد عن مكان استقرارهم، نصف ساعة. ورافقتهم جماهير من أهل القرية. وقد ارتقى رجال الكوكب الأشجار، وامتشقوا أوراقها وطلبوا بالإشارة من الجمهور أن يفعل فعلهم. فصعدوا الأشجار وجرَّدوا الأغصان من أوراقها، ووضعت الاوراق ضمن اوعية عميقة. ثم سلّط الأقزام عليها أشعة خضراء من آلة صغيرة، فتحوَّلت أوراق الأشجار إلى عجين قُطِّعَ كأرغفة. فأكلوا منها وأطعموا أهل القرية الذين ذُهلوا من هذه الخارقة، كما استطابوا ما أكلوه للغاية.

      أما الماء فكانوا يضعون الوعاء، ويسلطون عليه أشعة صفراء، فيمتلئ بماءٍ صافٍ مذاقه كماء الينابيع الجبلية. وبإمكان هذا الجهاز أن يدع الماء بارداً جداً أو في غاية السخونة.

وكان كل قزم يحمل بيده عصا طولها 31 سم، وثخانتها 20 سم، وبأعلاها فتحة صغيرة وفي أسفلها ثبتت عجلات ككلل الأولاد. وهذه العصيّ المعدنية مجوفة. وقد دخل كل قزم في عصاه، فإذا بهذه العصي تسابق الريح، فهي مراكب عجيبة غريبة، وعادوا بها حيث تقف مركباتهم الفضائية مخلفين أهل القرية والعجب الشديد قد استبدَّ بهم أيَّما استبداد.

      واختار رجال الكوكب فومالزاب سهلاً شاسعاً في تلك القرية. وركزوا آلاتهم الالكترونية، ثم باشروا في الأسبوع الأول من وصولهم إلى كوكب الأرض، بناء هيكل عظيم تخليداً لزيارتهم للأرض. وقد حوَّلوا أكواماً من تلالِ الرمال والحجارة إلى معجونة بواسطة آلاتهم الالكترونية. ثم قطَّعوها بقياساتٍ مختلفة اختاروها ونفَّذوا فكرتهم فجعلوا منها أعمدة ضخمة للغاية، ومنها حجارة مختلفة الأحجام. ورفعوا هذه الأعمدة بآلاتهم العجيبة، فإذا هي مُنتصبة شامخة تناطح السحاب. وثبَّتوا على قمة كل عمود منها تاجاً حجرياً هائل الضخامة والثقل.

    ثم سقفوه بحجارة متداخلة بعضها ببعض، فأصبحت كأنها قطعة واحدة لا انفصام فيها.كما أقاموا سوراً مرتفعاً حول الهيكل العظيم، ووضعوا أعلاه بضعة حجارة هائلة الطول والعرض، وتركوا حجراً ضخماً للغاية من المعجونة التي صيغت من الرمال والحجارة، وأبقوه بمكانه، وهو يعرف الآن بحجر الحامل، إذ لا يزال مُلقى منذ ذلك العهد السحيق. وقد أنهوا بناء الهيكل بخلال شهر. فآلاتهم الإلكترونية تقوم بالعجائب والخوارق.

      كذلك تزوج عدد منهم من بنات الأرض.وبعد رحيلهم ولد لهم بنون وبنات.

      وبعد مضي ستة أشهر على وصولهم صعد الرجال الأقزام إلى مركباتهم الفضائية الكونية واجتمع أهل القرية بأكملها لوداعهم وكانوا قد تعلموا طريقة حديثهم النفخي لكثرة الاستمرار.كما تعلم رجال الكوكب بضع كلمات أرضيَّة.

      واشتعلت محركات المركبات الكونية، وبلمحةٍ خاطفة اعتلت الفضاء، ولسرعتها الهائلة غابت عن الأنظار.

      ذهبوا عائدين إلى كوكبهم الموغل في الأبعاد اللانهائيَّة مُخلفين وراءهم قلعة بعلبك الشهيرة شامخة تتحدَّى الزمان، وهي كشاهد على زيارتهم لكوكبنا الأرضي.

نيويورك الساعة 2 و 25 دقيقة

بعد ظهر 29/3/1977

 

 

إقرأ أكثر

مُختارات

سلام -

سلامٌ على ذلك العالم الروحيّ المُضيء الخالد!

سلامٌ على تلك الأنوار الدائمة السطوع!

سلامٌ على ذلك المجد الإلهيّ الفائق البهاء!

سلامٌ على تلك الديار التي احنُّ إليها أبداً!

سلامٌ على ذلك الملأ السرمديّ الطاهر!

سلامٌ على قاطنيه الأبرار، المعاينين  انواره الباهرة السنيّة!

سلامٌ على العالم المجهول الذي لا خباء له و لا افول!

سلامٌ على تلك الأماكن الأرجة العبير!

سلامٌ على من مكَّنتهم قدسيتهم

من ولوج ذلك المكان الحصين الامين!

سلامٌ على من اضُّطهدوا و عذِّبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة!

سلامٌ على من ذاقوا الهوان، و شربوا كأسه المريرة حتى ثمالتها!

سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأزلِ إلى الأبد!

سلامٌ أنثره على هذا الطرس

من قلبٍ كسيرِ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزق!

سلامٌ على عالمٍ غير عالمنا الماديِّ المرذول!

سلامٌ عبقٌ فوَّاحٌ عطري، لا ماديٌّ موبوء قذر!

سلامٌ أبديّ إلى أحكامه العادلة النافذة!

سلامٌ من عالمي الحقير هذا،

أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي!

سلامٌ من مسكينٍ ملأ الكون بآثامه،

وهو يضرع إلى الله أن يغفرَ له آثامه تلك، و أن يسعَه بمراحمِه التي شملت الكائنات و طغت عليها.

نعم، سلامٌ، سلامٌ، سلام!

باريس، في 23 نيسان 1935

 

إقرأ أكثر

مقالات

ردّ داهشيّ على تجنيّات الدكتور لويس صليبا -

بتاريخ 19 أيلول من السنة الجارية أرسلنا إلى الدكتور لويس صليبا تعقيباً على مقالٍ ومحاضرة نشرهما على موقع Byblion.com العائد له. وطلبنا منه نشره على الموقع نفسه لإطلاع الرأي العام على الحقائق الداهشية من مصادرها الداهشيّة دحضاً للاختلاقات والتجنّي البعيدين كلّ البعد عن الواقع والحقيقة. فمن أراد أن يطّلع على حقيقة السيد المسيح وتعاليمه لا يستقي معلوماته من معين مضطهديه، لا من هيرودس ولا من قيافا، ولفيفهما؛ والأمر نفسه ينطبق على أصحاب الرسالات، وعلى جميع الهداة والحكماء والمصلحين من سقراط العظيم إلى المهاتما غاندي، اللذين لقيا مصرعهما على أيدي المتعصّبين الظلامييّن وهو ما ينطبق أيضاً على الدكتور داهش الداعي إلى نبذ التعصّب ووحدة الأديان الجوهرية وإلى عدم استخدام الأديان للتجارة وممارسة التحكم باسم الدين على الناس، وزرع الفرقة والأحقاد بينهم بدل جمعهم وتوحيد العائلة البشرية تحت راية المحبّة وعلى أسس الفضائل السامية التي بشرّت بها الأديان السماوية المنزلة.

 

لم ينشر الدكتور صليبا ردّنا على موقعه، رغم إصرارنا على ذلك ورغم أن حقَّ الردّ مكرّس قانوناً، ويفرضه إحترام الرأي الآخر خدمةً للحقيقة والرأي العام.

 

لذلك، رأينا من واجبنا نشره على مواقع التواصل الإجتماعي.

 

زحلة في 8/12/2023                                                 المحاميان خليل وفارس زعتر

 

 

حضرة الدكتور لويس صليبا المحترم

 

تحية طيّبة، وبعد

يوم الجمعة في 25 آب  تلقيّتُ رسالة نصيّة  إلكترونية  من أحد الأخوة الداهشيين المقيمين  في الولايات المتَّحدة الامريكية نقل إليَّ بواسطتها عن موقع Byblion.com مقالاً لحضرتك تاريخ 30 أيار 2023 يحملُ عنوانُ “يوسف الحاج من المؤمن الأوَّل  بالدَّاهشية الى المنسحب الأول منها” ، ومعه Video لمحاضرة ألقَيتَها في “مؤتمر علوم الأديان والتنشئة على المواطنيّة ” في “مركز تمّوز للدراسات والتكوين على المواطنيّة- جبيل” يوم السبت 20 أيار 2023، بعنوان “علوم الأديان بين الأمس واليوم؛ من إبن  كمونه الى د. داهش”.

وأصارِحُكَ أَنني شعَرْتُ بحزنٍ عميق لدى قراءتي المقال وسماعي المحاضرة، ليسَ بسبب الآراء والاستنتاجات الخاطئة التي خلُصْتَ إليها، بل بسبب المنحى الاستهزائي التحقيري الذي يفضح نفسه، رغماً عن محاولتِكَ تغطيته بظاهرٍ أكاديمي شفَّاف.

وبما أن الدكتور داهش والداهشيّة يشكلان المحور الأساسي لمحاضرتك تاريخ 20 أيار 2023، ولمقالتك  تاريخ 30 أيار 2023، أرى أن واجب قول الحقّ والشهادة له  يهيبان بي أن أعلنَ، بادئ ذي بدء، لكل من سيقرأ هذا التعقيب أنني تعرَّفتُ على الدكتور داهش والداهشية في خريف عام 1963، وأتيح لي منذ  ذاك التاريخ ان أزوره مراراً وتكراراً، من دون حاجة الى موعدٍ مسبق، وأن أشاهد وألمس لمس اليد ظاهراتٍ روحية خارقة، وأن أحاوره،  وأتعرف على حياته وكيف يعيش عن قرب في لبنان والولايات المتحدة الأمريكية على مدى عشرين عاماً حتى خريف عام 1983 قبيل وفاته  بأشهر قليلة. قرأتُ مؤلّفاته المطبوعة كلها وتفهمّتُ فلسفته الروحيّة التي تشكِّل، برأيي، ثورةً حقيقية في عالم الفكر، وعاينتُ عن كثب حياته الراقية والقيم والفضائل التي جسَّدَها. فعندما أتحدَّث عن الدكتور  داهش والداهشية فإنني أتحدث  من موقعي كشاهدٍ عيان ودارس للعقيدة الداهشية من معين مؤسِّسِها مباشرةً.

وبناءً على ذلك، أؤكد لحضرتك، منذ البداية، أنَّ الصُورة الشَّوهاء البشعة التي رسمتَها للدكتور داهش في محاضرتك ومقالتك المذكورتين أعلاه لا تمتّ الى حقيقته الواقعية بأي صلةٍ على الإطلاق.

لذا أطلب من حضرتِك نَشْرَ هذا الردّ، الذي سعيتُ جاهداً  مع شقيقي خليل إلى أن يكون وجيزاً قَدْرَ المستطاع، على ما جاء في مقالتكَ ومحاضرتك الآنفتي الذكرعلى موقع Byblion ليطَّلِع جمهور القرّاء على رأيٍ داهشيٍّ مخالفٍ لرأيك خدمةً للحقيقة والرأي العام.

                                                 المحامي فارس زعتر

 

 أولاً: هل انفصل يوسف الحاج من الداهشية؟

 

في مقالِكَ المذكور أعلاه، المعنون: “يوسف الحاج من المؤمن الأول بالداهشيّة الى المنسحب الأوّل منها”،  تزعم أن يوسف الحاج (1880-1955)كان أوّل المؤمنين بالدعوة الداهشية (من هنا لقبه عند الداهشيين “المؤمن الأوَّل”) وأوَّل المنسحبين منها. في أوَّل مقالك تَعدُنا بأنك ستُسلِّط الأضواء على تجربة يوسف الحاج في الداهشية وعلى الدَّور الذي لعبه في داخلها وخارجها لتستخلص منها خيوطاً ومعطيات مفيدة في دراسة ظاهرة داهش. لكنّ القواعد الأوَّليّة للبحث العلمي، سواء في علوم الأديان أو غيرها، تلزمُ الباحث أن يبدأ بإثبات وجود الظاهرة موضوع الدرس ورسم حدودها ثم ينتقل بعد ذلك إلى محاولة تفسيرها، ملتزماً بالأمانة العلميّة وبالتَّجرد من الأحكام المسبقة ومن المعادلات الشخصية مما يتيح لكلّ باحث في الموضوع نفسه أن يتحقَّق من مسار البحث ونتائجه كما لو كان هو القائم بالبحث.

لكنَّكَ،  وبكل! أسف، سلَكْتَ الطريقَ المعاكس. إذ تقررّ عندك في العنوان وفي السُّطور الأولى أن صلة يوسف الحاج بالداهشية توصف في أحد طرفيها بالانسحاب والانكفاء أو التبدُّل بل بـ”الانقلاب”. وما دامتْ هذه عندك حقيقة لا تحتاج إلى إثبات، لم يبق أمامَك إلا البحث “بالسراج والفتيلة” عن البراهين-أو كما يمكن أن يقال في هذه الحالة عن “المبررات”- التي تؤكِّدها. أين؟ لا فيما كتبه يوسف الحاج ولا في شهادة من أَلِف الداهشيين في تلك الفترة، لكن بين السطور وفي خبايا الصدور. كيف؟ بشدّ المعطيات من شعر رأسها ودسَّ قناعاتك في صمتها وتعريضها للتعذيب لتعترف بما تريده منها. بما يشبه أساليب الروائيين تضخّ في علاقة يوسف الحاج بداهش المشاعر المسمومة والنوايا الملتبسة وظنون السوء وكثيراً من الغمز وكثيراً من الروائح المريبة، مما لا يمكن لمنطق سليم أن يقبل  بها. مقدّماً لها بالقول الجريء: “واضحٌ أن…” كلُّ شيء عندك واضح. حتى الأمر المضمر واضح! وتوحي في مقالك بأن من أسباب الانسحاب أمور حدثت في بداية العلاقة عام 1942. لقد استبدل داهش بيوسف الحاج حليم دموس لتدوين الظاهرات الداهشية، في الأشهر الأولى من تعارفهما، فأثار هذا الأمر حفيظة يوسف! وكانت تلك بداية انكفائه عن الداهشية!! حسبَ رأيك ومن دون أن تستند الى حرفٍ واحد مما كتبه يوسف الحاج عقبَ ذلك. ثم جاءت بعيد ذلك قصّة الجرائد العراقية. وفيها عامل داهش يوسف بقانون العين بالعين الذي يضاد قانون المسيح. هذا التضاد بين القانونين وسَّع الشقّة بين الرجلين! حسب زعمك أيضاً ومن دون أن تستند الى حرفٍ واحد مما كتبه يوسف الحاج عقبَ ذلك. وَوَجدتَ في هذه الحادثة “تعبيراً مضمراً لكنه واضح [هكذا] عما يساور يوسف الحاج من شكوك وظنون في الرسالة الداهشية”!! لكنَّ هذه الحادثة باختصار كما رُويَتْ في المرجع الذي استَنَدْت عليه (معجزات مؤسِّس العقيدة الداهشيّة ومدهشاته الخارقة، لحليم دموس، دار النار والنور للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت 1983- ص 100- 101) مفادُها أن الاستاذ يوسف الحاج كان يكتُب بعض الحوادث المتسلسلة نقلاً عن بعض الصحف العراقية. لكنّه فوجئ ببعض الأعداد الناقصة. فطلب من الدكتور داهش متمنياً عليه أن يأتيه بالأعداد الناقصة من جريدة “الناقد” العراقية ليتمكّن من إكمال ما بدأه. ولاستثارة الدكتور داهش على اجتراح معجزة إحضار الأعداد الناقصة روحياً، أبدى يوسف الحاج رأيه باستحالة ذلك.

وهنا قال الدكتور داهش للحضور ومنهم يوسف الحاج انظروا في  فضاء الغرفة: “وإذا بشتاءٍ من مختلف الصحف العراقية يهطل بغذارة، وينتشر في فضاء الغرفة”. وتّم جمع الصحف وفيها جريدة “البلاد” لصاحبها روفائيل بطّي. فانتخب الاستاذ يوسف الحاج منها ما كان بحاجة إليه “وأكمل موضوعه خاشعاً متعجباً” مثلما جاء حرفياً في الكتاب. ويكملَ الشاعر حليم دموس سرده للحادثة كما يلي:

         “وعندما فَحَصْنا الأعداد الباقية، وجَدْنَاهَا طافحةً بالمقالات اللاذعة ضدَّ الأستاذ يوسف الحاج عندما كان ضَيفَ العراق في عام 1938.

وقد استُحْضرَتْ كمُداعبةٍ لطيفة للحاجّ الذي التفت الى الدكتور وقال:

-واللّهِ، يا دكتور، ليس لي أن أشكوَ، لأنني استفْزَزْتُكَ بقولي “إنك لا تستطيع استحضار الأعداد الناقصة”. وكان قصدي أن أدَعَكَ  تستحضرها. فعاقَبْتَني باستحضار الصُّحُف العراقيّة التي كالَتْ لي الشتائِم والسبابَ دون حساب. حقّاً إنَّكَ، يا دكتور، تسير على قاعدة “العين بالعين، والسِّن بالسِّنْ!”

هذه الظاهرة الروحيّة المذهلة التي جعلت الاستاذ يوسف الحاج يخشع ويكمل موضوعه والتي استُحضرت في جلسة  يطغى عليها طابع المرح والمداعبة، فإنَّ ما قاله الاستاذ يوسف الحاج للدكتور داهش يندرج قي هذا السياق. ولا يمكن لقارئ يتمتع بحدٍّ أدنى من النزاهة الفكرية أن يخرج بالاستنتاجات التي خرجتَ بها. ولم تكتفِ بذلك، بل زعمتَ أيضاً أن ما حصل بعد ذلك في العام نفسه إثر زيارة كمال الحاج للدكتور داهش-كما يرويها كمال الحاج- جعل إيمان يوسف يتزعزع”! وهنا أيضاً، حسب زعمك من دون الاستناذ الى أي دليل يثبت هذا الزعم.

متى قصمت القشة ظهر البعير؟ “المصدر الوحيد الموثوق” في تتبُّع علاقة يوسف الحاج بالداهشية بعد ذلك هو حسب قولك “محفوظات عائلة يوسف الحاج” التي انتقلت إلى الحفيد يوسف كمال الحاج. لكنّ كلمة “محفوظات” تعني اولاً وأخيراً “وثائق”  أو “كتابات”. فأين هيَ الكتابات الصادرة عن يوسف الحاج في هذه “المحفوظات” المزعومة. لا شيء. تذكر  كلمة “محفوظات” لكنك تنقل أقوال أفرادٍ من أسرته المناوئين لإيمانه وعقيدته. عن سامية ابنة يوسف أن أباها لازم الداهشية سحابة سنتين تقريباً وأشاح عنها عندما تعرض داهش عام 1944 لملاحقة السلطات وتعرَّض يوسف نفسه لضغوط زوجته القوية وابنه كمال ومعارضتهما لداهش والداهشية. يؤكِّد ذلك، برأيك، إفادة يوسف المقدمة إلى مجلس شورى الدولة في 2/11/1944. فهي وإن كانت “رزينة ورصينة” وغير قادحة بداهش إلا أنها تعجُّ بتخميناتك الافتراضية ! إنها مثلاً لا تشير إلى خوارق داهش. كما انها تختلف اختلافاً كبيراً عن إفادة جورج خبصا وماري حداد التي تصل إلى حد تأليه داهش، وفق تعبيرك. وحين يقول يوسف في هذه الإفادة أن صفات داهش الأخلاقية دفعته إلى “السير على نصائحه الروحية وعظاته الأدبية” تعلِّق: هذا لا يجب أن يعني أنه وقف منه موقف المريد من المعلم بل موقف الند للند، بل فيه إشارة إلى “ملامح الانسحاب التدريجي من الداهشية”!! غير أن يوسف سيرثي داهش عام 1948 بقصيدة عنوانها “دموعٌ من نار على ضريح الدكتور داهش”. ومن غير أن تقرأ هذه القصيدة ترجع إلى رأي يوسف كمال الحاج. كأنه بصلة النسب أدرى بما أراد جده أن يقول. وماذا يقول يوسف الحفيد؟ -هذه القصيدة هي مجرد “دمعة وفاء لا تعني رسوخاً ليوسف الحاج في الإيمان والعقيدة ولا سيما الانتماء الداهشي”. باختصار لقد آمن يوسف الحاج بالداهشية عام 1942 وكان أول المنسحبين منها بهدوء عام  1944 دون أن ينتقدها. ثم “مات ودفن مسيحياً مارونياً” عام 1955 على “دين آبائه”. هذه هي الخيوط والمعطيات التي تفيد في دراسة ظاهرة داهش: مات يوسف الحاج على غير الداهشية. وقُضي الأمر الذي فيه تستفتيان!

 

آثار يوسف الحاج الباقية تدحض مقولة الانفصال من الداهشية.

 كان يُنتظر من باحث رصين أن يرجع على الأقل إلى ما كتبه يوسف بين تاريخ انضمامه إلى الداهشية عام 1942 وتاريخ وفاته عام 1955 مما هو منشور. نشير إلى المقدمة التي كتبها عام 1942 لكتاب“مختارات من كتب الدكتور داهش” (نشر عام 1970) وعنوانها “من أنت يا سيد؟ -أنا يسوع الذي تضطهده”. وإلى إفادته الأُخرى عن داهش المقدَّمة إلى رئيس البوليس العدلي بتاريخ 23 شباط 1944 وفيها يروي ثلاث ظاهرات داهشية عاينها. ويختم إفادته كاتباً: “إن الحكومة اللبنانية الوطنية إذا درست بتدقيق مميزات الدكتور داهش ومواهبه الخارقة وجب أن تستفيد منها عاجلاً أم آجلاً”. وإلى كتابه “الدكتور داهش والروحانية” (1946). وإلى قصيدته في رثاء داهش (1948). ففي هذه النصوص المكتوبة بين 1942 و1948 والمنشورة يمكن دراسة دور يوسف الحاج في الداهشية وملاحظة تطوره الفكري والنفسي ووضع الإصبع على الانسحاب، فيما لو كان هناك انسحاب، وشرح أسبابه وآثاره. لكنك لم تلتفتْ إلى هذه النصوص. وكأنك تعتذر عن هذا العيب الخطير بقولك: “وحتى الكتاب الذي وضعه عن الداهشية فهم [أي الداهشيون] لا يتداولونه (…) بل يخفونه كما يذكر حفيده يوسف كمال الحاج الذي لم يجد حتى نسخة منه في المكتبة الداهشية العامة في نيويورك ولا في الدار الداهشية”. هذا غير صحيح. لقد كان الدكتور فريد أبي سليمان يوزع كتاب يوسف الحاج في عيادته ببيروت قبيل اندلاع الحرب. ويوسف كمال الحاج نفسه، خلافاً لما تزعم، حصل من الدار الداهشية بنيويورك على نسخة مصوَّرة طبق الأصل عن الكتاب. أما فقدان الكتاب من السوق فيفسّر باحتمالٍ كبير بأن يوسف الحاج طبع منه على حسابه عدداً محدوداً من النسخ. وكان ذلك في وقت اشتعال الحرب بين السلطات وبين الداهشيين. وكان رجال الأمن يصادرون منشورات الداهشيين ويتلفونها. كما أن زوجة يوسف الحاج يُرجّح أن تكون قد أتلفت ما يمكن أن يكون قد وقع في يدها من نسخ الكتاب. ثم لماذا يبحث يوسف كمال الحاج  عن كتاب جده في نيويورك ولا يبحث عنه في مكتبة أبيه؟ باختصار إن العذر الذي قد تعتذر به غير مقبول ومبرراته فوق ذلك غير صحيحة.

 

 

 

“يوسف الحاج ” كما يعتبرُ نفسه.

كنّا نتمنّى لو كلَّفْتَ نفسك عناء مراجعة  كتاب يوسف  الحاج “الدكتور داهش والروحانية” الصادر عام 1946 لتبيَّن لك أن “استقراءاتك” للعلاقة بين يوسف وداهش بين عامي  1942و1944 هي في أقل ما توصف به “غير موضوعيّة”، وإن “محفوظات” عائلة الحاج “الموثوقة” عن انسحاب يوسف عام 1944 غير “موثوقة” وغير صحيحة. الكتاب صدر كما قلنا عام 1946. على يسار صفحة الغلاف تحت العنوان كُتب اسم المؤلف على النحو التالي: يوسف الحاج الداهشي“. كأنه في الوقت الذي كانت السلطات تطارد الداهشيين وتلقي ببعضهم في السجون أراد أن يصيح بأعلى صوته لمن يحب أن يسمعه من ذويه ومن أهل السلطة وسواهم: “أنا داهشي”! وأول ما يطالع القارئ في الكتاب صورة فوتوغرافية للدكتور داهش تحتها هذه العبارة “النبي داهش”! والكتاب الذي يقع في حوالي مئتين وخمسين صفحة من القطع الصغير مُقتطع كما يقول من كتاب كبير له عنوانه “الدكتور داهش” (ومن المستبعد أن تكون العائلة قد احتفظت بالمخطوط). يقول في المقدمة إنه إنما سارع إلى استخراج الكتاب من النص الموسَّع وإصداره لكي يفند الأكاذيب التي ينشرها الخصوم عن داهش وعنه. والكتاب هو، على طريقته، محاولة في إثبات صحة الرسالة الداهشية، ودفاع عن داهش “وظاهراته الروحانية” ومشاركة في المعركة. أهذا فعلٌ يفعله مُنسحب؟ أهذا عملٌ يصدر عن إنسان تزعزع إيمانه واتسعت الشقة بينه وبين نبيّه لأن هذا الأخير طلب منه أن يترك تدوين الظاهرات الداهشية لحليم دموس؟ أهذا إنسان أُرغم على “الانقلاب” على الداهشية في لحظات حرجة من حياتها؟ “يوسف الحاج الداهشي” نفسه سنجده في قصيدة الرثاء الموقعة عن “رأس بيروت حزيران 1948” باسم “الحزين يوسف الحاج الداهشي”. إنه يوسف الحاج الداهشي نفسه لم يغير ولم يبدل! يتحدث في القصيدة عن “سفينة الهادي الحبيب” التي وإن قضى ربانها “لن تُستَباح وتغرقُ”، وأنها “مثل وجه الشمس” سوف تَطلعُ في الصباحِ وتُشرقُ”. ويقول أيضاً: “كم رأينا من عجائب داهشٍ قد ضمَّها ذاك المقام الضّيقُ!” ويقول عن داهش: “هذا نبيُّ الخافقين وحاله حقاً تميل له القلوب وتعشقُ” ويخاطبه بالقول: “إنا نعاهدك البقاء على الهدى ما زال في الأجسام قلبٌ يخفقُ!” ويختم كما لو أن داهش كان ضوء حياته: “هذي حياتي بعد موتك ظلمةٌ والكون في عينيَّ سجنٌ ضيقُ!” هل يصحّ بعد ذلك افتراض يوسف الحفيد إن هذه القصيدة هي مجرد”دمعة وفاء لا تعني رسوخاً ليوسف الحاج في الإيمان والعقيدة ولا سيما الانتماء الداهشي”! 

ماذا جرى بعد 1948؟ ما نعرفه أنه حين عاد الدكتور داهش من المنفى، وكان مطلوباً، تخفّى. وأُشيع أنه مات عام 1947. ولعلمه بأن عائلة يوسف الحاج معادية له خاف إن هو اتصل بيوسف أن يصدر من هذا الأخير أمام أفراد عائلته ما يكشف المستور فيتسبّب بالضرر لنفسه وليوسف أيضاً. فارتأى داهش إبعاد هذا الجندي الـمُستفرَد عن المعركة خوفاً من العواقب المدمِّرة على علاقته بعائلته. وإذا كان لم يبعد حليم دموس أو فريد أبو سليمان أو جورج حداد وعائلته فلأن هؤلاء جميعاً كانوا قد انفصلوا عن عائلاتهم واستقلوا عنها. جورج خبصا كان من الفولاذ الذي لا ينثني حتى لو وقعت السماء على الأرض. كان يجب انتظار عام 1953 حين أُلغي مرسوم الإبعاد. عندها صار بإمكان الدكتور داهش إقامة علاقات اجتماعية علنية والتواصل مع الناس. ومع ذلك فإنَّ الظهور العلني الأوّل له لم يحصل  إلاَّ عام 1958. من يستطيع أن يثبت أنه هجر الإيمان الداهشي في آخر أيامه؟ هذا لا يمكن إثباته إلا بنص أو بوصية مكتوبة أو بشهادات موثوقة. ومثل هذه الوثائق لا يمكن أن توجد إلا لدى العائلة. ولو كانت موجودة لأشهرتها. لننظر كيف سعت هذه العائلة بكل الوسائل إلى غسل ما تعتبره عيباً في انضمام كبيرها إلى الداهشية، من السيدة أديل التي حاربت الداهشية بكل قواها، إلى الدكتور  كمال الفيلسوف صاحب المكتبة الكبيرة الذي لم يحتفظ بنسخة واحدة من مصنفات أبيه ولو بزاوية مهملة، ولو على سبيل الأرشفة، إلى سامية التي تختصر علاقة أبيها بالداهشية بسنتين قصيرتين، إلى الحفيد الذي ينكر بقاء جده وفياً لإيمانه الداهشي رغم الوضوح الساطع في مرثية 1948، مع الاشارة الى ان الحفيد الدكتور يوسف كمال الحاج المولود في 19/1/1955 كان له من العمر قرابة الستة أشهر عندما توفي جده يوسف بتاريخ 12/6/1955.في هذه الشروط يحق لنا أن نقول: لو أن يوسف الحاج صرَّح وهو يلفظ آخر أنفاسه أنه يموت على دين داهش لطمست العائلة الخبر أو لقال قائلها: أن العجوز يهذي! ما دُفن وفق الطقوس المارونية هو جثَّة يوسف الحاج لا روحه ولا كتاباته الداهشية الباقية على الدهر. هل كانت بين الداهشيين وبين يوسف سنة موته وفي مرضه علاقات؟ ما يُنقل عن الدكتور فريد أبو سليمان بهذا الصدد  وما صرّح به أمامنا  وأمام عدد من الاشخاص يسمح بالإجابة بنعم.لقد عاده قبيل وفاته عام 1955 برفقة حليم دموس وكان في “مستشفى رأس بيروت”  الذي يحمل اليوم إسم “مستشفى النجار“. وأعلماه بان الدكتور داهش حيّ. فسرَّه الخبر وتفاءل به. من الثابت على كل حال أنه كان للدكتور داهش من الأسباب ما يجعله موقناً بأن يوسف مات داهشياً. ولهذا طلب أن يُصلّى عليه ويُدفن وفق الطقوس الداهشية. وهذا ما طلبه حليم دموس من أسرته التي رفضت الطلب مثلما جاء على لسان حفيده الدكتور  يوسف كمال الحاج المستشهد به في مقالتك. وما فتئ الدكتور داهش حتى آخر أيامه يذكر يوسف الحاج في كتاباته المنشورة بلقبه التكريمي “المؤمن الأوَّل”، ويثني عليه أعطر الثناء على الرغم من ملاحظاته الكثيرة على كتابه. إذا كان من الثابت أن يوسف الحاج هو أوَّل دعاة الداهشية بعدَ إعلانها فليس هناك ما يَدُلّ! أنه هجرها يوماً من الأيام.

 

ثانياً: أصالة الرسالة الداهشية

 

في محاضرتك التي ألقيتَها في 20 أيار الفائت ونشَرْتَ نصَّها على موقع “دار ومكتبة بيبليون”  بعنوان “علوم الأديان بين الأمس واليوم: من ابن كمونة إلى د. داهش”. قُلتَ إنها “كلمة أولى” تحاول فيها أن تتبيَّن“مدى أصالة رسالة داهش وصدق مزاعمه”. كيف؟ لا تكتفي باستبعاد المعجزات الداهشية في محاولتك بل تستبعد أيضاً شخصيَة الدكتور داهش وسيرته، وتستبعد العقيدة الداهشية، وتستبعد شهادة الداهشيّين بإيمانهم. هذا كما لو أن باحثاً أراد تقييم المسيحيّة فاستبعد شخصيّة يسوع وسيرته وتعليمه، واستبعد المعجزات التي تنسبها له الأناجيل، واستبعد النار التي أوقدها في قلوب تلاميذه، واستبعد شهادة المسيحيين في تاريخ المسيحية. فماذا يبقى من المسيحية في هذه الحال؟ حتى المتكلِّمون في القرون الوسطى لم يقصُروا دلائل النبوّة على المعجزات بل وضعوها في منظومةٍ فكرية متكاملة. كيف يمكن أن نحكم في مسألةٍ، سواءٌ كانت رسالة روحية أو حركة سياسية من دون الإحاطة الكافية بالنسق الفكري الذي يجمع سائر العناصر في بنية واحدة ويصبُّ في شرايينها معناها؟ هل هناك باحث يلجأ إلى مثل هذه السُقطة المنهجيّة؟ نعم! هذا ما أقدمتَ عليه أنتَ. فقد اكتفيتَ بانتقاء نصّين من كتابات الدكتور داهش لا يتجاوز كلٌّ منهما الصفحة الواحدة. وإذا كنت استبعَدْتَ المعجزات الداهشية من محاولتك بمبررات سنذكرها، فإنك لا تخبرنا لماذا استبعدت بقيّة الدلائل. أما النصّان اللذان اكتفيتَ بهما في قراءتهما إنما على ضوء ماذا؟ على ضوء معادلاتِكَ الشخصيّة لما تسميّه “الأصالة” و”الصدق”.وخلصتَ بالنتيجة إلى نفي أصالة الرسالة الداهشية وصدق مزاعم داهش! وتأييداً لهذا الرأي فإنك لا تقبل من الشهود إلا شهادة … نفسك، أي النتيجة التي وصلتَ إليها في دراسة تجربة يوسف الحاج في الداهشية، وإلا خبراً ملتبساً للمفكر الفلسطيني هشام شرابي ينقل فيه هذا الأخير كلمات يزعم أن داهش قالها له في لقاءٍ جمعهما في بيروت في السبعينات (؟).  وحضرتك في كل ذلك، كما تُصرِّح ملحاحاً مرة بعد مرة، كما لو أن الفعل لا يغني عن القول، وكأن القول يغني عن الفعل، ستلتزم الموقف الرزين والمحايد واللانفعالي والموضوعي والجدي المنبثق من صلب مناهج علوم الأديان الأكاديمية!

 

البطارية اليوغية

 

لننظر في المبررات التي استبعدتَ بها المعجزات الداهشّية. إنها عديدة ولا تجتمع في قراءةٍ واحدة. تقول ان الخوارق المرويّة عن داهش يصعب التحقّق منها لبُعدها الزمني عنه. هذا مع أنك في الوقت الذي تستصعب فيه التحقّق من المعجزات المنسوبة إلى داهش رغم أن بعضاً من شهودها ما زال على قيد الحياة، تقبل بحماس الأمثلة “العديدة القديمة والراهنة” التي تشهد، على زعمك، بقدرات اليوغيين الخارقة. بل إنك في كتاب لك عن صوفية هندية تسرد ما يُروى عنها من “معجزات” الشفاء والانخطاف وإحياء الموتى (نعم إحياء الموتى!)، دون أن تتحقّق من ذلك بنفسك لأنك نقلتها بالترجمة عن مصادر أجنبية. وتقول أيضاً أن بعض معجزات داهش مثل نقل صخرة من حديقة وكتاب من مكتبة هي من نوع لزوم ما لا يلزم. أي أن انتقال جسم من مكان إلى مكان من غير آلة أو وسيلة مادية بلمح البصر ليس خارقاً لأنه كان بالإمكان استئجار شاحنة وإحضار الجسم! فأنت لم تتنبَّه إلى أن العبرة ليست في إحضار الجسم، سواءٌ كان صخرة أو كتاباً أو قلم رصاص، بل في كيفية إحضاره. وتُكمل: إنّ المعجزات الداهشية هي بمجملها وليدة الإيمان بأنها معجزة وقد تكون حدثت واقعياً وقد لا تكون قد حدثت. ولكن بماذا تختلف بهذا المعنى عن معجزات يسوع الناصري؟  وكان بعض الجهلة قد حاول تفسير المعجزات الداهشية بالبارابسيكولوجيا. وغيرهم بالسحر. وسواهم بتسخير الجان. وسواهم بالتنويم المغناطيسي. أما أنت، دكتور صليبا، فوجدت ضالتك في اليوغا. إنّ اليوغا تمكِّن، على قولك، من اجتراح الخوارق! وبعض اليوغيين يعتبر أن الطاقة التي تُجترح بها الخوارق هي نوع من البطارية النفسية المشحونة التي تُستخدم مرَّةً واحدة فقط. فهي تفرغ من كثرة الاستعمال ولا تقبل الشحن من جديد. وقد تكون خوارق داهش، كما تقول، ناتجة عن بطارية من هذا النوع. والدليل أنها كانت كثيرة في الأربعينات ثم توقَّفت نسبياً في الستينات وانقطَعتْ في السبعينات والثمانينات! وتتابع: سنوات داهش الأخيرة يكتنفها الغموض. ولعله انصرف بعد فراغ البطارّية إلى أدب الترحل! هذا غير صحيح. فبين   1958 و1975 مئات المقالات ظهرت في الصُّحف عن داهش والداهشية، وأُلقيت فيها المحاضرات في الجامعات في لبنان وخارجه.  وبعد ذلك منعت الحرب كل نشاط طبيعي كما هو معروف. لكنّ المعجزات رافقت الدكتور داهش حتى انتقاله من هذا العالم عام 1984. وقد شاهدها ووثَّقها مرافقوه ومنهم نحن في مؤلفاتٍ صدر بعضها وبعضها قيد الاصدار. لكن حتى لو سلَّمنا جدلاً  بأن اليوغا تمكَّن من إحداث الخوارق فهذا لا ينطبق على معجزات الدكتور داهش. ذلك أن الخوارق اليوغية إنما يجترحها في أخبار اليوغيين كبار المعلمين من فئة الغورو بعد الرياضات الطويلة التي تتيح “الصعود إلى مركز الفكر!” وشحن البطارية. أما داهش فلم يكن يوغياً ولا مارس اليوغا ولا حملها وأصحابها على محمل الجد.

من الواضح أنك لا تنفي بهذه التمحّلات الهجينة المعجزات المروّية عن داهش. ولا إمكانية المعجزة. فأنت فيما تتداوله من ألفاظ المعجزات والخوارق لا ترجع إلى ما يمكن أن تقوله العلوم الطبيعية في مفهوم “المعجزة” بل تقع أسيراً لمصطلحات المعجزة والنبوة وعلاقة النبوة بالمعجزة كما كان يتمثّلها المتكلِّمون في العصور الوسطى ويتناولون من خلالها اليهودية والمسيحية والإسلام أي ما يُسمى اليوم الديانات الإبراهيمية. إن ما تحاوله هو إبطال قيمة المعجزة كدليل على النبوّة، سواءٌ تعلَّق الأمر بداهش أم بسواه. فما دامت اليوغا، على قولك “تقدِّم تفسيراً علمياً [هكذا!] ومنطقياً للقدرات الخارقة والمعجزات بعيداً عن الإعجاز الموهوم، وما دام اليوغيون يجترحون أعظم العجائب دون أن يكونوا أنبياء أو دون أن يدّعوا النبوة، بل إنهم يعتبرون الوقوف عند المعجزات دليل انحراف “إذا جاز التعبير”، وما دامت الداهشية التي تستوي في الديانات الإبراهيمية وتقوم على مصطلح المعجزة المذكور، فإن الخوارق المروية عن داهش، وإن صحَّت، فهي لا توجب له النبوة أو الرسالة السماوية كما يدعي الداهشيون! هذه هي العقدة المتحكِّمة في نفسكَ: إبطال قيمة المعجزة في تقييم الدعوة الداهشية. وبطبيعة الحال فإن إبطال هذا الدليل بالسحر الهندي ينسحب حُكماً على الديانات الإبراهيمية. ومن المفيد الإشارة في هذا السياق إلى أن بعض المتكلمين في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية لجأوا في حيلة مشابهة إلى مقولة في إبطال النبوة نسبوها إلى البراهمة!

 

الظّاهرة الرّوحية الدّاهشيّة

 

لن نناقش صحة الأخبار التي تنسب لليوغيين المعجزات والخوارق. إن اليوغيين ومن ينتسب إليهم من المعلّمين المعروفين بالغورو، رجالاً ونساءً، انتشروا في كل مكان في العالم. وعددهم  في أسواق الغرب اليوم يكاد يوازي عددهم في شبه القارة الهندية. كما أن اليوغا منتشرة جداً في أوروبا وأميركا. ولم يثبت على الإطلاق، في الغرب على الأقل، أي دليل على أن اليوغا تمكن من اجتراح “المعجزات”.كما لن نناقش القيمة المعرفية لعلاقة المعجزة بالنبوة عند المتكلمين في القرون الوسطى. فطروحاتهم تنتمي إلى عالم معرفي تجاوزته العصور الحديثة. نكتفي بالقول إنه من الثابت عندنا أن المعجزة هي الفعل الخارق لقوانين الطبيعة التي نخضع لها. وبهذا المعنى يستحيل استحالة مطلقة أن يجترحها الإنسان، أي إنسان. يوغي أو صوفي أو وليّ أو قديس أو غيرهم. جميع البشر يتساوون في قفص العجز عن تجاوز القوانين التي وضعتها العناية لتدبير عالمنا المادي. وحده عمل الروح العُلوي إذا وقع في عالمنا بواسطة الأنبياء يوصف بالمعجز وذلك بالقياس إلى قدرات الإنسان. والروح العلوي نفسه لا يخالف قوانين الطبيعة بل يُسَخِّرُها بالقدرات الخاصة به وبعالمه لما يريد إحداثه. وما يحدثه يخضع أيضاً لقوانين ولسببية روحية. فالله كما قال آينشتاين لا يلعب بالنرد. واختصاراً نقول أنه كان بإمكانك أن تتحرّر من العقدة الداهشية لو أقبلتَ على دراسة العقيدة الداهشية، فمفهوم المعجزة ومفهوم النبوة ومفهوم الدين في الداهشية تختلف عن المعاني التي رجعتَ إليها. فالظاهرات الروحية الخارقة رافقت الدكتور داهش منذ طفولته وقبل أن يعلن عن رسالته بزمان. ومن الظاهرات ما كان يحدث من غير معرفة الدكتور داهش بحدوثها إلا إذا أعلمه بالحادث أحد الشهود. والقوة التي تحدثها ليست بطارية تفرغ من فرط الاستعمال بل كائن علوي “شديد القوى” لا يقتصر حضوره على اجتراح المعجزات لكنّه يُعلِّم ويربي ويرشد ويؤدِّب وينذر وينقذ ويعزِّي. كما أن النبوة عندنا هي نشاطٌ لسيال روحيّ يتعدّى تأسيس الأديان والشرائع ولا يرتبط بإحداث العجائب والمعجزات فحسب. به رعت العناية وترعى البشر قاطبةً في جميع الحضارات وليس أمةً دون أُخرى، وليس سلالة إبراهيم دون سواها، أو في زمنٍ دون زمن. “وما من أمةٍ إلا خلا فيها نذير”.

 

 

الأدب النبوي الإنذاري

 

لننظر في قراءتك للنصوص الداهشية التي انتقيتَ من بينها نصيّن: الأوَّل هو مقطع من مذكرات يسوع الناصري للدكتور داهش والثاني مقطوعة “ضباب” الموضوعة في بعض المصادر الداهشية على لسان جبران خليل جبران. هذان النصان اخضعتهما لنوعين من القراءة: قراءة فكرية وقراءة لغوية من نوع النقد الأدبي. المقطع من مذكرات يسوع الناصري يروي حادثة جرت مع يسوع في مخفر الشرطة عندما كان لا يزال شاباً صغيراً. أغضبه توقيف الشرطي وقوله له بعدَ استجوابه وتقريعه بسبب تعالميه: “يا شقيّ اصمت!” فأجاب يسوع مثلما جاء في الكتاب:

أما أنا فانني أضرع الى أبي أن يُجرِّد عليك سيف حقيقته البتّار لترى من منّا سيصمت.

وللحال، هوى قائدُ الشرطة دون ان ينبس ببنت شفة.

فعلا الهرج والمرج،

ثمّ عندما تأكّد لهم موتُه صمتوا

كأنَّ المكان قد تحوَّل بلحظةٍ خاطفة الى مدينة أموات صامتة.

وصاح جميع رجالِ الشرطة:

إنه من الله!

إنه سيف عدالته!

إنه من روزحه الطاهرةّ.”

إنَّ الحياة والموت بيد الخالق عزَّ وجلّ،  وليسَ بيد يسوع وهذا ما فهمه شهود الحادثة مثلما هيَ مروية في كتاب “مذكرات  يسوع الناصري. أما أنت فاستفظَعْتَ هذه الرواية وصرختَ غاضباً: هذه ليست معجزة! هذه جريمة! لقد جعل داهش يسوع مجرماً هو الذي غفر واستغفر لصالبيه! من هذا النص إنتقلتَ إلى مقطوعة “ضباب”. وتوقّفْتَ عند آخر مقطع فيها فإستهجنتَ ما فيه من تهديدٍ واضح ونبوءةٍ مرعبة و”حقد” ليس على البشرية برمتها وحسب بل على الكون الشاسع! ولما كان الشيء بالشيء يُذكر أحلتَ إلى ما يذكره الدكتور براكس عن نبوءة خراب لبنان التي نُشرت عام 1948 بسبب ما لحق بداهش والداهشيين من الظلم. هنا أيضاً تستفظع هذا المنطق الانتقامي التعسُّفي الظالم! تدمير المدن وسقوط مئات آلاف الضحايا لمجرد أن داهش جُرّد من جنسيته عام 1944؟ وتلاحظ بالمناسبة، رابطاً هذا بذاك، أن ردة الفعل الانتقامية الشرسة هي من ثوابت السلوك الداهشي! أما قراءة الناقد الأدبي فيتحصَّل عنها أنه من حق الدكتور داهش أن يُعتبر “رائد الأدب الركيك”! حسب قولك. المصيبة أعظم من ذلك بكثير! ذلك أن الداهشيين برأيك، يعتبرون نصوصه الركيكة معجزة بيانية! وتنتهي إلى القول أن الداهشية بالحقد على البشرية، وبالمنطق الانتقامي الظالم، وبالشراسة في ردة الفعل،وبالركاكة الأدبية تبرهن عن عدم أصالتها.

قصور معرفي خطير

إن قصة موت رئيس المخفر في مذكرات يسوع الناصري بدعوة يسوع تبدو للوهلة الأولى مُستغربة. فالعقاب لا يتناسب مع الجريرة ولا يتناسب مع اللاعنف في مواقف يسوع. غير ان استغرابنا مصدره إننا لا ندرك دائماً الأسباب الخفية للفعل عندما يتعلق الأمر بالأنبياء. وفي التوراة والإنجيل والقرآن، بالاقتصار على هذه الكتب المقدسة الثلاث، حوادث مشابهة بل أكثر غرابةً مما حصل لرئيس المخفر. منها قصة أليشع في التوراة والصبية الصغار الذين سخروا من صلعته فلعنهم وتسبب بخروج الدببة عليهم وافتراسهم. هل هناك تناسب بين الجنحة والعقاب؟ ومنها قصة يسوع وشجرة التين في الإنجيل، وكيف مر بها وكان جائعاً فلم يجد فيها ثمراً فلعنها وأيبسها. فما هو الذنب الذي اقترفته تلك الشجرة المسكينة؟ لم تثمر في نيسان؟ وهل يثمر التين في نيسان؟ وكم سخر خصوم المسيحية، انطلاقاً من هذه القصة، من مزاج يسوع وكيف أخرجه الجوع عن الاتزان وعن اللاعنف إلى اللعن! ومنها قصّة ثورة يسوع على تجار الهيكل عندما صنع سوطاً من  حبال وطرد الجميع من الهيكل، الغنم والبقر وكبَّ دراهم الصيارفة وقلبَ موائدهم مثلما جاء في إنجيل يوحنا (2: 12-17)! ومنها قصة حنانيا وامرأته سفيرة في “أعمال الرسل” كيف وقع الرجل وزوجته ميّتين عندما وبَّخهما بطرس على الكذب بإخفاء جزء من ثمن الحقل المقدّم إلى صندوق الرسل. إن المنطق  الذي اعتمدَتهُ يدعوك هاهنا أيضاً للصراخ:  هذه جريمة مزدوجة!  فهل تصرخ: إن كاتب “أعمال الرسل” جعل من بطرس مجرماً؟  نعتقد أن القرآن الكريم قدَّم جواباً مُرضياً عن هذه الأمور المنافية للمنطق البشري في سورة الكهف في القصة المعروفة بقصة موسى والخضر. فما على حضرتك إلا مراجعتها. 

في تعليقك على مقطوعة “ضباب” لم تنتبّه للموضع الذي يجب أن توضع فيه هذه القطعة “ضباب” خاصةً في مقطعها الأخير. وللعلم ففي مؤلفات الدكتور داهش مقطوعات أُخرى مشابهة. منها على سبيل المثال قطعة عنوانها “أما أرضكم!” هذه وتلك تنتمي إلى ما يُسمى La littérature apocalyptique، أو Littérature eschatologique.وهذه الأدبيات موضوع اختصاص هام في حقل علوم الأديان (Sciences religieuses). وهي من خواص الأدب النبوي الإنذاري. ليس من دين من الأديان المعروفة بالموحاة أو حتى في بعض فروع الفلسفة اليونانية أو في الأدبيات الهرمسية أو في السنة الهندية الكبرى ذات الأدوار والأكوار والنشوء والانحلال إلا وفيه نصوص في الإنذار والوعيد ونصوص عن أزمان تحدث فيها الكوارث الكونية. نحيل إلى “سورة التكوير” و”سورة المرسلات” و”سورة القيامة” و”سورة الانفطار” في القرآن، وإلى “رؤيا يوحنا اللاهوتي” في العهد الجديد (الانجيل) ، وإلى “قصة الطوفان” في العهد القديم (التوراة) وإلى “مفهوم يوم القيامة والحساب”. ولو كانت المسألة تستحق التوقف عندها لذكرنا مئات النصوص الدينية التي تنتمي إلى النوع الأدبي نفسه. ومن المؤكد أن باحثاً محايداً في علوم الأديان لا يفسِّر هذه النصوص النبوية “بالحقد” على البشرية.

 

خراب لبنان وناقة صالح

 

وفي هذا السياق الإنذاري تندرج النبوءة الداهشية بخراب لبنان. ونعجب كيف لم تتنبّه، حضرتك، إلى أن الخراب الموعود لم يكن بسبب أن السلطات في جمهورية بشارة الخوري جرَّدت داهش من جنسيته. لإن الاعتداء على داهش من غير ذنب واضطهاد الداهشيين التعسفي لم يكن إلا نموذجاً صارخاً من نماذج الفساد والظلم التي زرعت شجرتها جمهوريةُ بشارة الخوري. هذه الشجرة الملعونة التي نمتْ وكبرت وتوسَّعَتْ فغطَّتْ تاريخ لبنان وغذَّت اللبنانيين وما زالت تغذّيهم بثمارها العلقمية القاتلة. لا أهل السلطة ولا السياسيين ولا رجال الدين ولا المثقفين ولا الصحافيين لم يعترض واحد منهم على هذا المظلمة ولا على سواها من المظالم. سكوتهم هو دليل على اشتراكهم في الفساد والجريمة. نحيل حضرتك إلى ما في التوراة من أخبار الأنبياء الذين إنما بعثوا للإنباء بنزول عقاب على أمة بعينها أو على ملكٍ بعينه. ونذكِّرك بنبوءة يسوع بخراب الهيكل. وبقصة سدوم وعامورة. وبمصطلح “القرية المؤتفكة” في القرآن ومصيرها المحتوم. وهل لبنان الذي أسَّسه بشارة الخوري وشركاه إلا قرية مؤتفكة؟ ونحيلك إلى “سورة هود” وكيف حلَّ على قوم صالح الغضب الإلهي فأبادهم عندما عقروا الناقة. وكأننا بك تصيح: هذا منطق إنتقامي! هذه جريمة! أتُباد مدينة من أجل ناقة؟ وما قيمة ناقة؟ لا يا سيد. إن عقر الناقة، مثل تجريد داهش من جنسيته، هو فيضُ الكأس. إن العقاب بالخراب، سواءٌ أُنذر به في نبوءة أم لم يُنذر به، فهو يفسَّر بقوانين السماء العادلة المكتوبة في جميع الأديان وفي وجدان الإنسان. وقبل ذلك وبعد ذلك يُفسَّر بكل بساطة بالقوانين التي تحكم الاجتماع الإنساني وبالسببية المادية قبل السببية الروحية.

أما قولك أن ردة الفعل الانتقامية الشرسة هي من ثوابت السلوك الداهشي فهو غير صحيح. يقول داهش في الصلاة التي يصلي بها الداهشيون: “إغرس في أعماقنا بذور الحب والشفقة والرحمة والحنان!”،  “أشفق علينا يا الله  ولا تحاسسبنا مثلما نستحقّ فنهلك”، “طهِّر ارواح الخطأة وأرسلْ لهم قبساً من أنوارِكَ فيخشعوا لعظمتك”،”اقلنا من العثرات الرهيبة واشمل الجميع بعين عنايتك الساهرة،وخلافاً لرأيك، إن الرحمة والغفران هيَ من الثوابت في العقيدة الداهشية لا الحقد ولا الانتقام مثلما تزعم. حتى الحرب اللبنانية المدمّرة التي أنبأ الدكتور داهش  بحصولها جزاءً إلهياً عادلاً على الجرائم والمظالم التي ترتكب في لبنان وغياب العدالة فيه، فإنَّ الدكتور داهش رغم معرفته أنها “غضبٌ إلهيٌ”،  رفع صلاة إلى  الله أن يرأف باللبنانيين. ففي قطعة “وداع عام 1978” المنشورة في الجزء الخامس (ص81-82) من سلسلة “فراديس الإلهات” كتب الدكتور داهش:

“وتزلزلت  النفوس وعمَّتِ الفوضى،

واحتلّ الهلّعُ القلوب.

تُرى هل ستمكث هذه الحرب الضروس

مستمرة بويلاتها الجسام،

بعدَ ان ذهبت الأرواحُ طعمةً للحديد والنار،

أم سيرتفعُ غضبُ الله عن لبنان،

فيتنفس الجميع الصعداء؟

رحماك ربّي، وارأف بأبنائك

فرحمتُك لا حدَّ ولا نهاية لها،

فأنتَ أرحم الراحمين.

 وفي هذا السياق نذكر أن سيرة جورج خبصا أُنموذج في العطاء والرحمة. وفي قصائد حليم دموس من الروحانية ما جعلها مرجعاً يستشهد بأبياتها العالية عموم الناس. نعم لقد دافع داهش والداهشيون عن حقوقهم بشراسة عندما اضطهدوا ظلماً. وفي كل مرَّة يتعرضون فيها للظلم والافتراء سيدافعون عن حقوقهم بشراسة كما يفعل كل حر.

 

حبَّذا لو كنتَ ناقداً أدبياً

 

حبَّذا لو كنتَ ناقداً أدبياً أو أديباً! إذاً لنجوتَ من خطيئة الحكم على الكتابة الداهشية دون الإلمام بمقدارٍ كاف منها، ولكنتَ قدَّرتَ داهش الكاتب حقَّ قدره كالعلايلي وسواه من كبار الادباء، ولكنتَ اكتشفتَ الفرادة التي تميِّز الكتابة الداهشية. إن الدكتور داهش لم يأخذ اللغة العربية على المقاعد المدرسية. لقد صنع لغته بنفسه في مدرسة الحياة بمنأى عن الحضانة الكلاسيكية، وخارج المفاهيم التقليدية. فجاءت كما أرادها من السهل الممتنع، بسيطة وأنيقة، تسري فيها كهرباء الحياة الروحية. والكتابة عنده ليست صناعة، أو عملية معقدة تحتاج إلى تقنيات خاصة. بل هي رياضة وجدانية ومتعة روحية، ونشاطٌ طبيعي من أنشطة الحياة اليومية.لقد أنزلها من برج الاختصاص الى المجال العام المتاح للجميع على قدمٍ سواء وخلق في هذا المجال مدرسة هي مدرسة أدب الصدق والعفوية تغذوها العقيدة الداهشية بالانفتاح على جميع الثقافات وعلى جميع الأديان وعلى الاهتمام بالفنون والآداب. فالمرجع اللغوي والأدبي الكبير العلامة الشيخ عبد الله العلايلي وصف أدبَ الدكتور داهش في المقدِّمة التي كتبها لكتابه “عواطف وعواصف” (منشورات دار النسر المحلق 1971) (ص5-9) بأنه “ادب الصدق” و“ليسَ إلاَّ (أدب الصدق) خالداً على لسان الدهور والازمان”، وبأنه “أدبٌ فوق الأدب”. على أن الدكتور داهش لم يدّع يوماً أن كتاباته مُعجزة أو أنها تتفوق على كتابات سواه. وليس في العقيدة الداهشية ما يسمح بالخروج إلى مثل هذه الادعاءات. ما يُلاحظ من ذلك إنما هو مبالغات انفعالية لا تفرق بين القيمة الروحية للنصوص والقيمة الفنية. فنحن نعرف جميعاً إن إنتاج الأثر الفني، كتاباً كان أم قصيدة أو لوحة أو معزوفة أو سوى ذلك، مهما بلغ من الروعة والجمال والتميُّز، لا يخرق أي قانون من قوانين الطبيعة. ووصفه بالمعجزة هو خروج بالكلام إلى غير ما وُضع له. وأيّاً ما كان رأي الأذواق في الكتابة الداهشية، فهي ليست مما يُحسب في “دلائل النبوة”. فكما أنه ليس من الضروري أن يكون النبيُّ موسيقياً عبقرياً أو نحاتاً مبدعاً فليس من الضروري أن تكون كتابته في أعلى طبقات الفصاحة والبلاغة القانونية. إن جميع الذين يقرأون أفلاطون وأرسطو بلغتهما يعرفون أن لغة الإنجيليين اليونانية في منتهى الركاكة. وهذا لم يمنعها من حمل البلاغ النبوي وأن تتميَّز بقيمة روحية عالية. وبالخلاصة نقول لو أن حضرتك فحصت النصّين المذكورين على ضوء التاريخ النبوي المقدَّس وعلى ضوء العقيدة الداهشية لتبيَّن لك إنهما يستويان تماماً في الميراث الروحي للأديان السماوية ويصدقانه،ويدلان على أصالة الرسالة الداهشية.

 

 

خبر شرابي: ذكريات عن ذكريات

 

أمّا صدق “مزاعم” داهش فتنفيها على قول حضرتك نتيجة دراستك لتجربة يوسف الحاج في الداهشية وخلاصتها أن هذا الأخير مات على غير الداهشية. وينفيها الخبر المنقول عن هشام شرابي.في كتابه “صور الماضي”. يذكر شرابي أنه التقى بالدكتور داهش في أحد المقاهي ببيروت في تاريخ غير واضح تماماً يُعتقد أنه في السبعينات. وكأن شرابي استغرب كيف اجتمع عند داهش الاهتمام بالروحانيات وتأليف كتاب مثل “ضجعة الموت”. أما عن الكتاب فيعتذر الدكتور داهش-بحسب شرابي- بأنه “حماقات شباب” وعن الاشتغال “بالروحانيات” بقوله: “لا تظلمني. ولا تظلم الناس. أنا لم أكذب على أحد. الناس تريد الهرب. إلى الماضي. إلى المستقبل. إلى العالم الآخر. الناس تريد الاتصال بالأرواح للخروج من كابوس الحياة. الصوت الذي يسمعونه من عالم الموتى هو صوتهم، صوت الموت الصادر من أعماقهم”. هنا تسارع إلى القول:هذا “بوحٌ” يعترف فيه داهش أنه يتاجر بالروحانيات من غير أن يكون مؤمناً بها. وان هذا “البوح” “ينسف العمود الفقري الذي قامت عليه العقيدة الداهشية”! ويدعو للتساؤل “بجدية وموضوعية وحياد” عما إذا كان داهش نفسه مات داهشياً”! وتجد المناسبة لتقريب هذا “البوح” من بطارية اليوغيين واعتقادهم أن المعجزات والخوارق والإيحاءات كلها من داخل الإنسان وليست من عمل أرواح ولا أي تدخل خارجي.

لقد أثبتنا أن “دراستك” لتجربة يوسف الحاج في الداهشية لا قيمة لها. وحتى لو افترضنا أن يوسف الحاج مات على غير الداهشية، فارتداد هذا أو ذاك عن هذا الدين أو ذاك مشكلة فردية لا تؤكد أصالة الدين وصدقه ولا تنفيهما. هل نفت خيانة يهوذا  صدق رسالة يسوع الناصري؟ من جهةٍ أُخرى إنَّ القسم السادس من الفصل الثاني الذي يخصصه شرابي بكامله لداهش (ص 60-64) محوره كتاب “ضجعة الموت” الصادر عام 1936. والكتاب ليس فيه ما يمكن أن يصفه حتى الخصوم بالحماقات. وشرابي نفسه يصفه بأنه “كتاب فذّ”. والدكتور داهش كان فخوراً جداً به. ولا يمكن على الإطلاق أن يصفه بـ”حماقات شباب”. والقول إنه “حماقات شباب”يبرره عندشرابي، على الأرجح، الرسوم الفنيّة التي تخيَّل شرابي عندما رآها مراهقاً للمرة الأولى أنها “لا روحانية” أو “ايروتيكية”، لأنها أثارت فيه “الرغبة” كما يقول، وأن الكتاب هو من نوع المصنفات “الايروتيكية”، وانه لهذا السبب يتنافى مع “الروحانيات كما يفهم شرابي “الروحانيات”. والحال أن “ضجعة الموت” ليس ايروتيكياً  على الاطلاق لا في نصه ولا في الرسوم الفنيّة المتحفي~ة العالمية التي تزيّنه، وأن الروحانيات الداهشية لا علاقة لها بالروحانيات  كما يفهمها شرابي أي  صناعة استحضار أرواح الموتى بقصد الكشف عن المستقبل وما شابهها من الصناعات. إن للرسم عند الدكتور داهش وظيفة تعبيرية يكتسب ما يمثّله فيها معنى جديداً  مستقلاً عن الأصل فيندرج في النص كما لو كان كلمة من الكلمات أو جملة من الجمل. ناهيك عن أن للتعبير الفني الأصيل الراقي قيمة ذاتية متحدة مع مثالَيْ الحق والخير. وقد عبّر الدكتور داهش عن ذلك في مقدِّمة كتابه “ضجعة الموت” بقوله: “ومن أدرك سرّ الجمال فقد خطا خطواتٍ واسعة في فهم أسرار الأزل والخلود”. وهذه واحدة من إبداعات الكتابة الداهشية. من هنا يتّضح أن كل معرفة شرابي بداهش قبل اللقاء تقتصر لا على “ضجعة الموت” بل على ذكرياته عن “ضجعة الموت” وكيف أثارت فيه رسومها آنذاك “الرغبة”، وعما كان قد رسخ في ذهنه عن داهش في مراهقته في فلسطين. كل ذلك استعاده بعد اللقاء القصير في المقطع المذكور.والأرجح إننا في خبر شرابي أمام ذكريات عن ذكريات تحول فيها الواقع إلى ما يشبه الخيالات المبهمة اختلطت فيها تمثلات شرابي عن داهش وعن الروحانيات بماينسبه إلى داهش من القول. يؤكد ذلك أنه ليس في صلة شرابي بداهش التي اقتصرت حسب ما يقول شرابي على لقاءين أو ثلاثة ما يبرر اعتراف داهش أمامه، على فنجان قهوة، في أحد مقاهي بيروت، بأن ما يدعو إليه من “الروحانيات” هو استغلال لميل الناس إلى الهروب من كابوس الحياة. وكيف ينسب لنفسه الاشتغال بهذه الصناعة هو الذي كان يحاربها؟ وحتى لو كان من أربابها فهل يُعقل أن يفضح نفسه أمام رجل لا يكاد يعرفه؟ إن اللهجة الماركسية في “البوح” تجعله أقرب إلى رأي شرابي نفسه في الماورائيات وقد نسبه لداهش لا انتقاداً له، كما يبدو، بل اعتذاراً عنه.واغرب من اعتبار حضرتك لتلك الكلمات “بوحاً” تقريبك لها من معتقدات اليوغيين. فمن هو الذي يرى وجود علاقة بين “صوت الموت” أو صوت العدم” في الكلمات المنسوبة لداهش والبطارية النفسية اليوغية المشحونة بالطاقة؟ وأياً ما كان الأمر، فالباحثُ المحايد يتحفِّظ على خبر شرابي فهو ملتبس وشاذ ومفرد في مجمل ما نقل من الشهادات والأخبار عن الدكتور داهش، ولا يأخذه بعين الاعتبار دون أن يقارنه ويعارضه بغيره، ودون أن يفحص عما إذا كان يستوي في سيرة داهش،كما هي القاعدة في كل حالة من هذا النوع. فالأحكام لا تُبنى على الشوارد والنوادر والشواذ وأخبار الآحاد.

 

خلاصـــــة:

 

ماذا يُستخلص في آخر المطاف من محاضرتك؟ نعتقد أن محاولتك في إبطال العلاقة بين المعجزة والنبوة تنتمي معرفياً بإشكاليتها ومفاهيمها وأساطيرها اليوغية إلى القرون الوسطى. وبهذا المعنى فهي منتهية الصلاحية. إنها في كل حال لا تنسحب على الداهشية. أما ما خرجتَ إليه من فحص النصّين الداهشيين فهو متحصّل عن أخطاء منهجيّة وتعسُّف مُفرط في إطلاق الأحكام. والذي يلفت الانتباه في كل ذلك هو لهجتك العدائية. لقد أفقدتك الأمانة العلمية والنزاهة وجعلَتْ من محاضرتك بحثاً محموماً عما تعتقد أنه يُنقِص من قدر الدكتور داهش ويبخِّس قيمة الرسالة الداهشية. إن الداهشيّة لا ترفض النقد ولا تدعي أنها فوق الانتقاد إذا كانا صادرين عن قلبٍ سليم ويلتزمان بالحد الأدنى من التجرّد. ولعلّ حضرتك في كلمات لاحقة تتجنَّب الأخطاء والعيوب التي شابَتْ مقالك ومحاضرتك.

زحلة في 13/9/2023

                                                                            المحاميان

                                                                       خليل وفارس زعتر

 

إقرأ أكثر
2024 © All Rights Reserved

Address: Alexandria, Virginia, 
Cell: 
Email: info@lightandfire.net 

error: Content is protected !!