Logo

القلم يبكي والحبر يستغيث

من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر

الدكتور داهش والداهشيَّة

Archive By Zeina Haddad

قصصٌ غريبة وأساطيرٌ عجيبة

الكوكب فومالزاب -

      واقترب الكوكب فومالزاب من الكرة الأرضية التي يقطنها البشر، وأصبح على مسافة عام من النور(1) منها. وهذا الكوكب بلغ من الحضارة الشأو الأعلى.وهو يقترب من الأرض كل مليار عام.ويمكث بمركزه الجديد عاماً كاملاً ثم يعود إلى مركزه السابق.

      وقد أمر إمبراطور الكوكب أن تجهز السفن الكونية الثلاث لتذهب إلى الأرض. فالكوكب عندما تنتهي مدة اقترابه من كوكب الأرض ويعود إلى مركزه الكونيّ،تحتاج المركبة التي تسير بسرعة النور لتصل إليه ملياراً ونصف مليار عام. وفي كل مليارين من الأعوام يعود فيقترب من كوكب الأرض فيصبح على بعد عام من النور عنه.

      وجهزت المراكب الثلاث. فالأولى تحمل على متنها 200 رجل. والمركبة الثانية وضعت بداخلها الآلات الإلكترونية التي يمكن أن يتصل بواسطتها رجال السفينة بكوكبهم الحبيب،كما يستطيعون أن يشاهدوا بعضهم بعضاً بأثناء المخابرة الكونية.كما وضعت بها آلات مُعقدة تُستَخدم لدكّ الجبال وترديمها،إذ لزم الأمر، ولحفرِ أعماقٍ سحيقة. وغيرها من الآلات الصغيرة بحجمها الكبير بفعلها، فهي تستطيع أن ترفع أثقالاً هائلة بينما هي بعيدة عن هذه الأثقال، إذ تكفي لمسة على الجهاز العجيب ليتمُّ رفع تلك الأثقال لإرتفاعات شاهقة.

      أما المركبة الثالثة فقد وضعت فيها الأجهزة التي تصنع بها الأطعمة بمختلف أنواعها. فهذه الآلات العلمية الدقيقة بإمكانها أن تحيل ما يوضع في داخل الأوعية من قشورٍ ونفاياتٍ لطعامٍ لذيذٍ بدقيقةٍ واحدة. إذ تتحوَّل النفايات إلى كتلةٍ كالعجين يكيّفها الجهاز لأرغفة جاهزة للطعام تتَّخذ طعماً لذيذاً للغاية. كما يستطيع هذا الجهاز الإلكتروني أن ينوّع مذاق الأطعمة حسبما يُراد لها أن تكون. وقد ثُبِّت بهذه المركبة أيضاً جهاز يجعل الطقس حاراً أو بارداً،كما يستطاع أن يبقي الطقس صحواً أو ممطراً. وكذلك وُضع فيها جهاز كعربة تستوعب ستة رجال كوكبيين، وتسير بهم بسرعة على الأرض أو الماء أو بالفضاء.

      وجهزت المركبات الفضائيَّة الثلاث، وأديرت مُحركاتها دون أن يصدر عنها صوت وكلٌّ منها بطوابق ستة.

      وقد اجتمع عليَّة القوم والمسؤولين من رجال الحكم ليودعوا الراحلين. وانطلقت المركبات بسرعة هائلة وإذا بها تغيب عن الأنظار.

      وكلّ مركبة كونيَّة يقودها أربعة قباطنة، إذ هي مستطيلة كالقلم، لكن داخلها لولبيّ. فيجلس القائد وهو مُمسك بعصا القيادة، وكذلك بنهاية المركبة قائد آخر، وعلى جانبيها الأيمن والأيسر القائدان الآخران. وأمام كلّ منهم نافذة عليها مادَّة شفَّافة لا يستطيع الرصاص أو ما هو أشدّ مفعولاً منه أن يخترقها، ومنه يشاهد القادة طريقهم.

      إذاً المركبة يقودها أربعة رجال، ولكن بانتظام. فالقائد الأساسي هو احدهم. وإذا لزم الأمر أن تتجه المركبة إلى الناحية اليمنى، فمن الصعوبة أن يتمَّ اتجاهها وهي تسير بسرعة النور، فبمحاولتها للإتجاه إلى الناحية اليمنى تكون قد قطعت مئات الآلاف من الأميال وأصبحت بعيدة عن هدفها. فوالحالة هذه، يُضاء نورٌ بنفسجيٌّ أمام القائد الذي يجلس على الميمنة، فيقودها فوراً لاتجاهها الصحيح. وإذا كان الهدف الناحية اليسرى، أُضيء النور البنفسجي أمام الجالس من تلك الناحية فيقودها فوراً، بينما تُطفأ محركات الرأس الأمامي والخلفي والجانب الأيمن. وإذا أريد أن تسير المركبة باتجاه معاكس لتبلغ هدفها، تعطى إشارة الضوء البنفسجي للقائد الجالس هناك فيقودها لهدفها.

      كان الرجال المئتان يصغون لموسيقى كوكبهم المشنِّفة للآذان وهم يشاهدون البرنامج أيضاً.بينما سفينتهم تسير بسرعتها الخارقة التي تعجز عنها اختراعات الأرض.

      الرجال أقزام. فارتفاع الطويل منهم 35 سنتيميتراً. لكن لديهم طاقة مُذهلة.فالقزم منهم يستطيع أن يرفع أثقالاً يعجز عنها عشرة رجال من رجال الأرض!

      أما حديثهم فيتمُّ بواسطة النفخ. فعندما يتحدثون ينفخون حيناً بأفواههم وحيناً بأنوفهم، وهذه النفخات تؤلف لغتهم الكوكبية. ومنها الصفير المتنوع فهو تتمَّة اللغة الفومالزابية.

      أما عيونهم فحجمها كرأس المسمار، وسرعتهم بالركض والقفز خارقة، وآذانهم مستطيلة، وبقدرِ استطالة الأذن يكون ذكاء المرء أو عدمه. فمن تستطيل أذنه حتى تبلغ الأرض-رجلاً كان أم امرأة-فذكاؤه عجيب، وهو محترمٌ للغاية.

      امرأة واحدة فقط رافقتهم، وهي زوجة رئيس الحملة، وقامتها 30 سم. وهي تعتبر من المُلسنات، فحديثها النفخي لا يجارى، وهي مُثقَّفة رغم صغر سنها، فهي في عامها الألفي، أي في ربيع عمرها وزهرة صباها فسكان فومالزاب يعمّر كل منهم 6000 عام. ومديدو الحياة-وهم قلَّة-تمتدُّ أعمارهم حتى السبعة آآلاف من الأعوام.

      والمرأة بطبيعتها تحب الزينة. لهذا كانت زوجة قائد الحملة تنفث بفمها من جهاز صغير بطول الإصبع، فتخرج منه مادَّة تتَّخذ شكل دائرة تستطيع أن تشاهد فيها وجهها. ثم تذوب هذه الدائرة في الفضاء وتتلاشى المرآة.

      أما زوجها فعمره 2000 عام وهو أقلّ ثقافة منها. وقد حاول منعها من مرافقته، ولكنه لم يستطع أن يفرض إرادته عليها، فهو متأكد أن الرجال يستميتون في سبيلها، وكلٌّ منهم يتمنَّى أن تكون زوجة له إذا انفصل عنها، والسعيد منهم من تختاره. ولهذا رضخ لرغبتها، فرافقت الحملة. وكان جميع من في المركبة ينفذون رغباتها فوراً والسرور يغمرهم إذ أسرتهم بأنوثتها البادية للعيان.

      عاماً كاملاً أمضته السفن وهي تقطع محيطات الفضاء وأوقيانوساته بسرعة النور. وكانوا بأجهزتهم الدقيقة المذهلة يشاهدون الأرض وما يجري فيها من خيرٍ وشر.

      كما كانت أجهزتهم العلمية الخارقة تتيح لهم أن يأخذوا نسخاً عن الصحف اليومية والأسبوعية والكتب التي تصدرها المطابع. وكان جهاز الكتروني يترجمها للغة كوكبهم فومالزاب. فيطالعون ما خطَّته أقلام أهل الأرض، وهو لا يضارع آدابهم الرفيعة وثقافتهم العالية.

      وكانت سافاليا زوجة رئيس الحملة تقضي أكثر أوقاتها في الحديقة حيث تجلس بين ورود كوكب فومالزاب العجيبة الأشكال تقطف منها باقة عطرة، وتشبك وردة بشعرها لتشبع غرورها النسائي. وكانت الحديقة تضمُّ عدداً كبيراً من أشجار الكوكب الغريبة المنظر والعطرية الرائحة. وكانت سافاليا تصغي لتغريد طيور زرقاء وكحلية وإسمانجونية وقوس قزحية، وكان صدحها وكأنه موسيقى تعزفها السماء. وفي أحد الأيام استخفَّها الطرب وهي تجلس بين الأزهار بحديقة المركبة الكونية،كانت بلابل الكوكب ذات الألوان المتعدِّدة تغرِّد أغاريد البهجة وهي تتنقل على الأغصان الملوَّنة أيضاً، فأنشدت سافاليا النشيد التالي:

أنا سافاليا الجميلة

تحملني المركبة ياتانيا منطلقةً بي بسرعة النور

وانا أجلس في جنَّةٍ مُصغَّرة تمثل جنَّات فومالزاب كوكبي المفدَّى،

تحيط بي مجموعة من ورود وأزهار جمالها عجيب غريب.

وبلابل كوكبي ينشدنني أغاريدهنّ العذبة،

تشاركهنّ طيور بلادي التي اشتقت إلى ربوعها المُذهلة الفتنة.

وأنا اودُّ ان أبلغ كوكب الأرض،

لأشاهد عالماً غير عالمي العظيم،

جائبة رحابه طاوية سهوله، مخترقة جباله،هابطة أوديته.

ثم يحدوني الشوق للعودة إلى مدينة أحلامي فومالزاب

فأطير إليها بخيالي، ثم تحلّق بي ياتانيا،

عائدة بي إلى وطني الحبيب،

حيث ولدت وحيث سأموت وأدفن بربوعه المقدَّسة.

      كان الإتفاق قد تمَّ على المكان الذي سيهبطون فيه، وقد اقتربوا منه وكانوا على ارتفاع عشرين مليوناً من الأميال فوقه. وإذ ذاك أوقف القائد محركات السفينة وكذلك السفينتين الأخريين، وأشعلوا محركات أخرى سرعتها عادية، وابتدأوا بالهبوط.أخيراً، استقرُّوا في سهلٍ ممتد المسافات.

      وصادف دقيقة هبوطهم مرور قافلة من الجمال، ففغر رجال القافلة أفواههم عجباً مما شاهدوه، واقتربوا من مكان المركبات، وإذا بهم يتطايرون بالفضاء.

      وشاهدوا رجالاً قصار القامة ينفخون باستمرار بقوة وعصبية، وفهموا من نفخهم وإشاراتهم اليدوية أنهم يطلبون منهم الابتعاد فوراً. فولوا الأدبار، والخوف قد هزهم هزاً.

      وتوقفت المحركات، وضغط قائد المركبة الأم على جهاز داخليّ، وإذا بقبةٍ كالخيمة من المعدن تظلِّل المركبة، وكذلك فعل الفائدان الآخران بمركبتيهما.

       وتجمهر أهل القرية لمشاهدة أعجب ما يمكن أن تشاهده العيون، والدهشة مرسومة على وجوههم. وذهب عدد من رجال السفينة إلى غابة تبعد عن مكان استقرارهم، نصف ساعة. ورافقتهم جماهير من أهل القرية. وقد ارتقى رجال الكوكب الأشجار، وامتشقوا أوراقها وطلبوا بالإشارة من الجمهور أن يفعل فعلهم. فصعدوا الأشجار وجرَّدوا الأغصان من أوراقها، ووضعت الاوراق ضمن اوعية عميقة. ثم سلّط الأقزام عليها أشعة خضراء من آلة صغيرة، فتحوَّلت أوراق الأشجار إلى عجين قُطِّعَ كأرغفة. فأكلوا منها وأطعموا أهل القرية الذين ذُهلوا من هذه الخارقة، كما استطابوا ما أكلوه للغاية.

      أما الماء فكانوا يضعون الوعاء، ويسلطون عليه أشعة صفراء، فيمتلئ بماءٍ صافٍ مذاقه كماء الينابيع الجبلية. وبإمكان هذا الجهاز أن يدع الماء بارداً جداً أو في غاية السخونة.

وكان كل قزم يحمل بيده عصا طولها 31 سم، وثخانتها 20 سم، وبأعلاها فتحة صغيرة وفي أسفلها ثبتت عجلات ككلل الأولاد. وهذه العصيّ المعدنية مجوفة. وقد دخل كل قزم في عصاه، فإذا بهذه العصي تسابق الريح، فهي مراكب عجيبة غريبة، وعادوا بها حيث تقف مركباتهم الفضائية مخلفين أهل القرية والعجب الشديد قد استبدَّ بهم أيَّما استبداد.

      واختار رجال الكوكب فومالزاب سهلاً شاسعاً في تلك القرية. وركزوا آلاتهم الالكترونية، ثم باشروا في الأسبوع الأول من وصولهم إلى كوكب الأرض، بناء هيكل عظيم تخليداً لزيارتهم للأرض. وقد حوَّلوا أكواماً من تلالِ الرمال والحجارة إلى معجونة بواسطة آلاتهم الالكترونية. ثم قطَّعوها بقياساتٍ مختلفة اختاروها ونفَّذوا فكرتهم فجعلوا منها أعمدة ضخمة للغاية، ومنها حجارة مختلفة الأحجام. ورفعوا هذه الأعمدة بآلاتهم العجيبة، فإذا هي مُنتصبة شامخة تناطح السحاب. وثبَّتوا على قمة كل عمود منها تاجاً حجرياً هائل الضخامة والثقل.

    ثم سقفوه بحجارة متداخلة بعضها ببعض، فأصبحت كأنها قطعة واحدة لا انفصام فيها.كما أقاموا سوراً مرتفعاً حول الهيكل العظيم، ووضعوا أعلاه بضعة حجارة هائلة الطول والعرض، وتركوا حجراً ضخماً للغاية من المعجونة التي صيغت من الرمال والحجارة، وأبقوه بمكانه، وهو يعرف الآن بحجر الحامل، إذ لا يزال مُلقى منذ ذلك العهد السحيق. وقد أنهوا بناء الهيكل بخلال شهر. فآلاتهم الإلكترونية تقوم بالعجائب والخوارق.

      كذلك تزوج عدد منهم من بنات الأرض.وبعد رحيلهم ولد لهم بنون وبنات.

      وبعد مضي ستة أشهر على وصولهم صعد الرجال الأقزام إلى مركباتهم الفضائية الكونية واجتمع أهل القرية بأكملها لوداعهم وكانوا قد تعلموا طريقة حديثهم النفخي لكثرة الاستمرار.كما تعلم رجال الكوكب بضع كلمات أرضيَّة.

      واشتعلت محركات المركبات الكونية، وبلمحةٍ خاطفة اعتلت الفضاء، ولسرعتها الهائلة غابت عن الأنظار.

      ذهبوا عائدين إلى كوكبهم الموغل في الأبعاد اللانهائيَّة مُخلفين وراءهم قلعة بعلبك الشهيرة شامخة تتحدَّى الزمان، وهي كشاهد على زيارتهم لكوكبنا الأرضي.

نيويورك الساعة 2 و 25 دقيقة

بعد ظهر 29/3/1977

 

 

إقرأ أكثر

مُختارات

سلام -

سلامٌ على ذلك العالم الروحيّ المُضيء الخالد!

سلامٌ على تلك الأنوار الدائمة السطوع!

سلامٌ على ذلك المجد الإلهيّ الفائق البهاء!

سلامٌ على تلك الديار التي احنُّ إليها أبداً!

سلامٌ على ذلك الملأ السرمديّ الطاهر!

سلامٌ على قاطنيه الأبرار، المعاينين  انواره الباهرة السنيّة!

سلامٌ على العالم المجهول الذي لا خباء له و لا افول!

سلامٌ على تلك الأماكن الأرجة العبير!

سلامٌ على من مكَّنتهم قدسيتهم

من ولوج ذلك المكان الحصين الامين!

سلامٌ على من اضُّطهدوا و عذِّبوا في سبيل عقيدتهم الثابتة الحقَّة!

سلامٌ على من ذاقوا الهوان، و شربوا كأسه المريرة حتى ثمالتها!

سلامٌ على أرواحهم السعيدة من الأزلِ إلى الأبد!

سلامٌ أنثره على هذا الطرس

من قلبٍ كسيرِ خافقٍ، حزينٍ مكلومٍ ممزق!

سلامٌ على عالمٍ غير عالمنا الماديِّ المرذول!

سلامٌ عبقٌ فوَّاحٌ عطري، لا ماديٌّ موبوء قذر!

سلامٌ أبديّ إلى أحكامه العادلة النافذة!

سلامٌ من عالمي الحقير هذا،

أرسله إلى ذلك العالم العظيم السامي!

سلامٌ من مسكينٍ ملأ الكون بآثامه،

وهو يضرع إلى الله أن يغفرَ له آثامه تلك، و أن يسعَه بمراحمِه التي شملت الكائنات و طغت عليها.

نعم، سلامٌ، سلامٌ، سلام!

باريس، في 23 نيسان 1935

 

إقرأ أكثر

رؤى زينة

القلم -

مهداة إلى النبي الحبيب

من أقاصيص زينة حداد

                   ترجمة سمير الحداد

         

قلم مُجنح أشبه بفراشة ترفرف من زهرة إلى زهرة تجتني رحيقها ولقاحها، تتلهَّى أحيانًا وتتسلّى بالحديث مع الأزهار. أنا قلمٌ، تقول الفراشة للأزهار، أقطف الثمرات من ربّات الوحي، من التسعة الربّات التي نعرفها على أرضنا، لكن هناك منها أكثر بكثير على الكواكب البعيدة.

          أيتها الربّة أوراني(1)، نجومك تنير أفكاري وحروفي تغدو دفقات نجوم. إنها جواهر فؤادي أصوعها نسجيًا مخرمًا أعلقه في ألفلك فأنا أرغب في إهداء أعمالي إلى الله.

          تربسشور(2)، أنت تبثين همسك في أذني فأروح أوقّع خطواتي وفقًا لايقاعك. أنت ترقصين الفالس مع النسائم وتتمايل الزهور ذات اليمين وذات اليسار وترفع هاماتها لتعود فتنحني من جديد تقبل أعشاب المروج، وتدعو فارسها، النسيم الطري إلى مراقصتها من جديد.

          ولأنني قلمٌ، فأنا أوجّه وأقود اعصارالآلهةِ والراقصات يتمثلْن بسحرها ويصبحن جميعًا سحابًا في السماء يهدين رقصهُنَّ للاله.

          إن هذا لفنٌّ خالصٌ غير أنه راح يفسُد مع مرور الزمن. أنا أحبُّ الربّة تريبسشور وأحبّ أسلوبها، وتلامذتها وأصدقاؤها يخلّدونها إلى الأبد.

         

 

أوترب(3)، فاعالمك السماوي سوى موسيقى والطبيعة اوركستراه التي تضم جميع الآلات الموسيقية. اللغة في هذا العالم هي موسيقى، والانسجام يسود مشاهد الطبيعة التي أُنعِمَ عليها بما لا حدّ له من الألوان التي تلهم الموسيقى. شعاعات الشموس والأقمار التي تذكرنا بقيثارات ترسل نغماتها بعبقرية وانسجام وتنظمها سمفونيات تليق بأكبر العبقريات وترافقها ملائكة الله من بعيد بأناشيد فائقة الجمال.

          أوترب، أنت توحين لي بألحان الهيّة تتنزَّل على أيدي الموسيقيين العظماء وأنا أعيد إنتاج هذا الإنسجام بكل أمانة لأنقله إلى أجيال ستأتي.

          أنا مخلص لِ كليو(4). فهي آلة تسجيل وجدت مع ولادة الزمن. هي التأريخ لهذا العالم، وهيرودوتسُ(3) هو أوّل من تتلمذ على يديها، وأوحت لأوّل المؤرخين بتدوين أولِّ الأحداث والانجازات العظمى على هذه الأرض.

          أنا أنتقل من يدٍ إلى يدٍ ومن بلدٍ إلى بلدٍ لكي أكون دائمًا بالتصرّف وبكامل الاستعداد. أنا بشكلٍ من الأشكال موفدٌ من الربّة كليوْ، فقد أئتمنتني على كامل معرفتها لذا أنا احتفظ بتاريخ العالم في كنفي وتحت وصايتي. أنا انشر وأيسّر تلقين هذا التعليم الضروري للإنسانية، فقد كتبت ما كتبته وما أزال أكتب من أجل الأجيال الآتية.

          الربّةُ كاليوب(4)، تأخذني بيدها، وبمساعدتي تملأ أوراقًا كاملة. ويتردد وقع أصوات شفتيها في موسيقى عذبةٍ موجهةٍ للسامعين، وتتساوق وتتتابع الجملُ أحيانًا صاخبة وهادرة كأمواجِ محيطٍ في مهب العاصفة. وخلال تجوالها في كل المطارح تتكلم كاليوب بجميع اللغات. صوتها رنّان، أحادثيها مؤثرة مُقنعة تزرع الإيمان في النفوس.

          كانت “كاليوب” مُرشدةً للإنسانية وما تزال وكذلك تبقى على الدوام. وبحكم كوني قلمًا فأنا أعينها في تدوين أفكارها. أنا بين يديها أصبح ذاكرتها الأمينة.

          وأنت يا “ايراتو”(5)، أنا المعين لك لكن على قدر استطاعتي. أنت أيضًا تأخذينني بيدك، وغالبًا ما أحزن لحزنك وما الحياة لك سوى نهر من الدموع. أنت تبثين فيّ أشحانك فنُحيلها كلانا إلى قصائد، إلى أناشيد للأكم الذي ينسج أوصافًا للحقيقة على كل شيء. فشكوى البشر والزهور والطيور، شكوى الجبال والسهول، شكوى المياه والغزّار ستكون قصائد ومراث، وستتحول كل عبرةٍ إلى بيت من الشعر يصدر الأحزان.

          إيراتو، يا ربّة الشعر، اسكبي فيَّ ألمَ العالم وأنا سأبذل الجهد لمساعدة القرّاء على فهمها.

          أنا انعكاس لِ ميلبومين(6)Melpomène، ربة المآسي، نلوّنها معًا، فهي صورة حزينة، هي صورة عن أصولنا، فمنذ ذلك الزمن اجتاح قلوبنا جرف من التعاسة والأحزان، وما زلنا نتخبط في بحر غاضب، غاضب علّنا نبلغ شاطئ الخلاص والنجاة، فالأمواج الشرسة، المُتوحشة أحيانًا تلتهم طرائدها.

          وأنت أيتها الدموع والتأوهات، أنت من هذا العالم! ميلوبومين تبكي بشهقات من الأسى، وأنا، القلم، أنقل بكل أمانة مآسي الحياة التي يُسمح لي بمعاينتها وأحزن لبؤس الأرض.

 

الحياة على الأرض هي شبه الموت، كلاهما مأساويان. وتتغلغل ميلوبومين في أذنيّ تملي عليَّ مراثي البشر وشكواهم.

          أنا قلم، أنا رفيق الناس طرًّا. تالي(7)Thalie  ، تضحك، تضحك دائمًا من أجل لا شيء، فأنا أُسرُّ وأضحك عندما أكون معها وايمُ الحق. تالي تمثلُ الفكاهة فضحكاتها الرنانة تُسمع في البعيد البعيد على مدار ألفٍ من الأميال.

          الإنسان بحد ذاته كائن مضحك، ومع مرور الزمن، تصبح أخطاؤه نافرة وغير قابلة للتصديق وتصبح مُدعاة للبكاء، واسمح لنفسي أن أقول إن الضحك بات مأساويًا حتى كاد الطرفان المتناقضان يلتقيان ويأتلفان فتاليا وميلومين تبقيان شقيقتين.

          وتُسرُّ لي تالي “بأيحاءاتها وأنا بدوري أبثها للكوميديين. أساعدهم في خط الرسائل التي تؤلف تواريخ غريبة وذات صرير وتتحول غالبًا إلى انتقادات يستخلص منها الجنس البشري دروسًا قاسية.

ومع مرور السنوات يتحول قلم إلى مثقفٍ مرهف يقارب ويخوض جميع مجالات الآداب والفنون، وتودعُ ربات الوحي فيه فضائلها ومعارفها.

          ومع أي لم أكن معروفًا في الأزمنة القديمة غير أني موجود دائمًا وتكبر نفسي مع مرور السنين وتمتد إلى كل مكان. وترافقني بوليمني(8)Polymnie  وتكون بجانبي دائمًا تسكب في الحب موحيةً إليَّ أبياتًا موسيقية تلهب القلوب، قصيدة عذبة على الإسماع وشلالات من الكلمات متناغمة تنتظم أغنية ترسم لنا وجه الآلهة.

 

إنها جمالات عشتروت وأودنيس. روائع السماوات، كلمةٌ إثرَ كلمةٍ ولؤلؤة بعد لؤلؤةٍ تتحول إلى اشعار عبارة عن فردوس ساحر آسر.

          قلم أنا، أتمرّى على صفحات البحيرات لأتحول بريقًا ينعكس من ربّات الوحي ويدوّن معارفهنّ، أصوّر أحاسيسهُنَّ. دمُهنّ يجري في عروقي، فهاته العبقريات يسكبن في روحهنّ. الجميع يحبني وأنا متواجد في جميع الاختراعات، حاضر في تطور الحضارة، حتى أني أسهمت في أكبر الاسفار في الفضاء ولهذا أتكاثر إلى اللامنتهى حتى أكون طوع بُنانِ الشعوب في القارات الخمس.

          أنا صريح، صادق وكثير الكلام، جسورٌ ومتهوّر! أنا سلاح، أهاجم، أتهكُم وسخريتي لاذعة عندما تدعو الحاجة، وغالبًا ما يصبح قريبي عدوًّا لي، نغدو سهمين متصادمين. ولتعاسته، يمكن للقلم أن يكون فاجرًا ويمكن لآخر أن يقتص منه ويصبح كلاهما سيفين في حالة صراع، ومنقادًا لقوته يمكن لأحدهما أن يسيطر على الآخر، فيكون أشبه بلسانٍ عذبٍ الحديث أو لسان حديثه، قاذع لاذع.

          ومهما يكن، فالقلم مثل المرآة تختلط فيها شعاعات الشمس وتتعانق. هو رسول الحضارة، فكم من مرّة منذ زمن آدم وحوّاء بلغتِ الحضارات ذروتها لتعود فتنطفيء لتولدَ من جديد!

          يجب ألا تغيب الفنون عن بالنا، فهي محببة إلى الله وتمثل نهضة الثقافات. القلم مصدر الخطوط الأولى للّوحات الفنيّة وللمنحوتات والنقوش. الفن جميل يرقى بالنفس فهو شعلة متوهجة تنشر ألقها في كل مكان. هي تقدمة للاله السرمدي. الله يحبّ الجمال والكمال الكائنين منذ لحظة الخلق.

          أوَلمْ ينحتِ الله آدم وحوّاء قبل أن ينفث فيهما نأمةٍ الحياة؟ أولا ينتمي فنانونا إلى سماءٍ أكثر سموًّا؟ إنهم أشبه بربات الوحي.

          وبعد أن رسم رمزًا مقدسًا تحوّل إلى تاج على رأس النبي الحبيب استحال القلم بين الأصابع المقدسة إلى سيفٍ قاطعٍ سيكسر كل ما ينبغي أن يكسر. هذه الأداة السحرية تحمل أيضًا البشارة بالخبر الجميل المقدس. إنها ذاكرة البشر. كم من الكتب تظهر وتنتشر وكم من الأسرار يكشف عنها النقاب.

          الدكتور داهش هو ملك  ربّات الوحي والفنون، إنه الإلهام أيضًا لكل العوالم ولجميع السماوات. يمسك بيده قلما هو الناطق باسمه. مخلصٌ هو هذا القلم القصير، هو مطيع لسيّده ينقل أفكاره وينشرها، هذه الأفكار التي هي بحد ذاتها ثورة بين العقائد، فالله هو منبع أعماله وهذا القلم أنشأ كوكبًا جديدًا اسمه مكتبه السماوات.

          في تجوالهن حول العالم بعد مغادرتهن جبل الفنون،

 ها هنّ ربّات الوحي، اليد باليد يرفعن التسبيح الى المجد الإلهي منشدات للنبي الحبيب:

 

أيّها القدّوس، القدّوس

اسكب فينا شرارات من النور

فننير هذه الأرض الملعونة

ونبثّ في حناياها بعضًا من المعرفة،

فلم يعد هناك ليلٌ ولا نهار صبحٌ ولا مساء،

وها نجمةٌ جديدة تتألق بكامل بهائها فهي بنت الخلود.

 

سيظل القلم على الدوام يسكب في القلوب إكسير المعرفة الذي يستقيه من البعيد، من عالم كريمٍ هو الإلهام الإلهي، إنه ينبوع لا ينضب، هو دائم “التألق” ويحيي الإنسانية.

          هكذا، بفضل القلم، نجتني أعلى المعارف، وله يعود الفضل أن نرفع الإبتهال والتضرّع إلى العزّة الإلهية.

 

 

1        – ربّة الموسيقى حسب الميثولوجيا اليونانية.

          2 – ربّة الغناء والشعر الغنائي والرقص. تصوّر كامرأةٍ شابةٍ تلعب على القيثارة.

  • ربةً الموسيقى في الميثولوجيا اليونانية.
  • ربة التاريخ والشعر في الميثولوجيا اليونانية.
  • مؤرخ يوناني عرف بأبي التاريخ.
  • ربّة الشعر الغنائي، والدة لينوس واورفيه في الميثولوجيا اليونانية.
  • ربّة الوحي للشعر الغنائي. (الميثولوجيا اليونانيّة)
  • ربّة الوحي للشعر التراجيدي أو المأساوي. (الميثولوجيا اليونانية).
  • ربّة الوحي للشعر الكوميدي (الهزلي) يرمز لها بصبيّة متوجةٍ بالغار وتحمل قناعًا. (الميثولوجيا اليونانية)÷
  • ربّة الوحي للشعر الغنائية. (الميثولوجيا اليونانية).

 

إقرأ أكثر
2024 © All Rights Reserved

Address: Alexandria, Virginia, 
Cell: 
Email: info@lightandfire.net 

error: Content is protected !!