Logo

الخيال أهمُّ من المعرفة

ليست العبرة في كثرة القراءة، بل في القراءة المُجدية

منبر القرَّاء

أكتبُ كي لا ننسى

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي ومضَ في عالمنا ومضى، ذلك النور الإلهي الذي تجلّى على يدِ إبن السماء، كالبرق الخاطف يُنير ظلام هذا العالم الماديّ، المشرف على محيطٍ من الدركات الجحيميَّة. يقذف صواعقه شرَراً، يُشعلُ جذوة الإيمان الخامدة في بعضِ قلوب المُحتارين بين الحقّ والباطل، المُشكِّكين بالله واليوم الآخر، المشتَّتة أفكارهم بين المعرفة الروحيَّة والميول الدنيويَّة . يُضيء منارةً تُرشدُ القانطين من رحمة الله، الغارقين في خضمِّ الحياة المُتعِبَة، الذين تتجاذبهم أنواء الهموم والقلق والخوف المتواصل من المجهول. يُشرق شمساً تُلهِبُ النفوس الضعيفة، التائهة بين متاهات الجهل والأنانية، ومستنقعات الرذيلة والفجور، فأضاعوا النهى قبل الإتجاه، وساروا على غير هدى. يوقدُ ناراً تُثيرُ دماء المتقاعسين عن السير في طريق الله، يعيشون برودة الأيَّام على أحلام السنين، تتجاذبهم أمواج الحياة بين إقدامٍ وإحجام حتى يغمرها النسيان، ترميهم على شاطىء بحر الندم ، فيتبدّدُ الزَّبدُ على رمال الرغبة والغاية وهواء الحاجة والجسد، فالحياة قصيرة والقيود كثيرة، وبين لهوٍ وإهمال يضيع العمر في غمرةِ الأحداث والأحزان، الى أن تأزف الساعة ويدهمهم ما يُسمَّى الموت مقبرةُ الحياة.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى مِشعلاً يُنير دياجيرَ هذا العالم الجاحد برسله وأنبيائه ، بهُداته ومُصلحيه، المُبتعد عن وجه الله، وجه النور، وجه الحقيقة والمعرفة والخلود، غير مُدركٍ للحقائق الروحيَّة، ولا جوهر الأديان السماويَّة . تجلّى ضياءً في ظلمة هذا الليل الطويل، المهيمن على النفوس المتألِّمة ،المتمسِّكة بأهداب الفضيلة، يبعثُ فيهم الأمل المنشود، ببزوغ فجر الحقيقة ، للصمود بوجه الشرِّ الرهيب، يُلهمها السيرَ في طريق السماء، وسط إغراءات الحياة اللامتناهية، المُتربِّصة بنا شرّاً تحت جُنحِ الظلام، والتمكُّن من نشر الفضيلة بين الناس، والدعوة الى التآخي الإنساني ليعمَّ السلام والمحبَّة في أصقاع الأرض. تجلّى أنوار هدايةٍ إلهيَّة، في النفس الأمارةِ بالسوء، جسَّدها كلماتٌ من نور، تُهدي الصُّمَ لو سَمعوا، تنيرُ العقول الصدئة، العفنة، أصحاب إبليس، رمز الشرِّ المتوارث على مدى أحقابٍ وأجيال، لا يرون من الحياة إلاَّ بهارجها، يعيشون سجناء رغباتهم وشهواتهم وميولهم الوضيعة، يبيعون دينهم في سبيل دنياهم، غيرُ آبهين بثوابٍ او عقاب ْ، يعيشون ليومهم وكأنَّهم خالدون، يُكنزون المال وبناء القصور، لا يَشبعون ولا يُشبِعون، يستميتون للإستحواذ عليها بشتى الطرق، ولو كانت ملتوية، لا يرون الحقيقة إلاَّ في معتقداتهم، وما هم عليه من أرآءٍ وأفكارٍ بالية، رضِعوها من ثنايا الجهل بالإنقياد لحاكمٍ وسلطان وأولياء الأمر، تُكبِّلُ النفوس وتُقيِّد الأرواح، يعيشون في فلكها، يضحُّون في سبيلها، يموتون من أجلها حتى وان لم يكن لهم رأيٌ بها. يتعصّبون لجهلهم، يفرحون لخطاياهم، ويهللون لمعاصيهم، ويُطربُون لمصائب ضحاياهم، ثمَّ يرقصون على أشلاءهم.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى مُعجزاتٌ إلهيَّة وظاهراتٌ روحيَّة تأكيداً وتوضيحاً للمرتابين في وجود الروح وخلودها، المُلتبسين في معرفة الجحيم والنعيم، وفهم الحضارات الكونيَّة، الضَّالين المُضلِّلين، سجناء التقاليد والعادات التي لا تمتُّ الى الحضارة والعلم في شيء، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، أسرى موروثات ثقافية وإجتماعية قد تكون منافية للحقائق الروحيَّة أو القوانين الإجتماعيَّة، يتمسَّكون بها، يحافظون عليها بمالهم ورزقهم، يُعادون من يُخالفهم ويُدافعون عنها بحياتهم، لا يرون الحقَّ إلاَّ فيها، وما هذا إلاَّ لجهلٍ في النفسِ امتزج بالعصبيَّة والغرور، وكأنه يقول لا إله إلاَّ أنا.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى كلمةً تتحدّى سيوف الطُّغاة والمُتغطرسين، المغرورين المُتكبِّرين ، والقتلة المُجرمين، أصحاب العقول المُنحرفة والإنحطاط الأخلاقيّ، مرتكبي أحطَّ أنواع الموبقات والشرور، المتمادين بالمعاصي الهائلة، تجلّى ثباتاً وجهاداً وتضحيةً في وجه طغمةٍ حاكمة، مُتمثِّلة  بأصحاب النفوس المستكبرة، الوصوليَّة المنافقة،أعداء الحريَّات، التي تسعى لتحقيق أهدافها على حساب الآخرين،بإستخدام الوسائل القذرة والدنيئة، الذين يسخِّرُون الدولة ورجالها وقوانينها لتحقيق مآربهم الشخصيَّة وصفقاتهم المشبوهة، وإن كان في ذلك خرقاً للدستور وتعدِّياً على القانون، لا يتوانون عن إرتكاب الجرائم واستباحة المُحرَّمات، يعترِضون طريق المصلحين ويُشوِّهون صورهم، يُلصقون بهم كل فريَّة، يتسلَّطون على الأنبياء والهداة، يدوسُون  على كرامة الإنسان وينتهكون حرمة الأخرين لتحقيق غايتهم، يستغلُّون مناصبهم للإعتداء عليهم، يقِلبون الموازين، يزيفون الحقائق، يُسمُّون الأمور بغير مُسمياتها؛ يصُدُّون الناس عن معرفة الحقيقة باسم القانون والحفاظ على السِّلم الأهلي، أنذالٌ مُتبجِّحون ،عبيد شهواتهم، يغوصون في مُستنقعات الرذيلة، ينهبون المال العام، يعتدون على الفقراء الأمناء والبسطاء التاعسين المغلوبُ على أمرهم، وهم الأغبياء المارقين والخونة المماذقين، يظنُّون أنَّهم أصحاب السلطان، خالدين فيها، لا نهاية لهم ولا دينونة ولا حساب.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي انفجر كالبركان الثائر يقذف حِمَمُه كلماتٌ ناريَة في كُتُبٍ سوداء مُلتهبة ومنشوراتٍ مُبيدة لفضائحٍ نتنة، تُعرِّي إبليس ورفقاء دربه ، أصحاب الحقد الدفين، تبيِّن حقيقتهم وحقارتهم، وتفضح زيف المُعتدين على الحريَّات والكرامات، الناطقين زوراً وبهتاناً، ملئوا الصُّحُفَ بأكاذيبهم، ينشرون التعصُّب والكراهية بين مكوِّنات المجتمع الواحد، خوفاً على مصالحهم وإستحواذاً للسُّلطة، أبوا إلاَّ أن يكونوا حاجباً لنور الحقِّ والحقيقة، يقمعون الحريَّات في الإعتقاد والتعبير، يعتدون على حقوق الإنسان التي كفِلتها شرائع السماء والقانون، يُمارسون إرهابهم الفكريّ على من يُخالفهم في الرأي، يروِّجون خطابات البغض والحقد والتحريض والتهديد بصراعاتٍ مُخيفة تُهدِّد سلامة وإستقرار المُجتمع، فالجهل أشرس أعداء الإنسانيَّة. لم يتعلَّموا من ماضيهم وتاريخهم، فسجلوا أنفسهم في مزابل التاريخ.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلَّى شِهاباً ساطعاً يبهر العيون من شدَّة ضياءه، يُغشي بصَرَ رجل الدّين الإنتهازيّ، الضَّال المُضلِّل، مَنْ يُداهن أصحاب المراكز والنفوذ ويتزلَّف لأصحاب الحُكم والسلطان، ليتربَّع صدور الولائم، ويسخِّر المنابر لأهواءه وتجاذباته في الأديان والسياسة، وفيما بين الطوائف والمذاهب والأحزاب، ولو كان ذلك على حساب الدين والقانون والعلم والمنطق والحقيقة والإنسان، ولا ضيرَ في تسخير كلِّ إمكانيَّاته في ذلك لتحقيق مآربه في التحكُّم بقلوب المؤمنين البسطاء، واستغلال أصحاب العقول لخدمة رجال السياسة وتحالفاتهم ، يُمارس الإستبداد والطغيان، بعذبِ الكلام ويوهمك بصدقه، ومعرفته وعلمه الروحيّ، وما نفع المعرفة إن لم تتجسَّدَ عملاً يعمّ بالفائدة على الآخرين، يداخل النفاق في الفضيلة بلهجةٍ تُحاذي الصّدق، يقول ما لا يفعل، يتحدَّث بكلِّ طيبةٍ وكأنَّه النعجة الوديعة، وهو الذئب الكاسر يفترس كلَّ ما في طريقه، للوصول الى هدفه.

تجلَّى نجمٌ ساطع،لامع، تَلأْلِئَ بصيرةً نيِّرة، تُرشِدُ أصحاب الأخلاق الحميدة لِكشفِ السِتار عن رجالٍ عاهدوا الله وما ثبتوا، نسوا طاعة الأنبياء والتزام مبادئهم، مارسوا أشدَّ أنواع الخِداع بكلِّ إبداع، نسبوا آراءهم للأنبياء وأحاديثهم ليعطوها المصداقيَّة، تسلَّطوا على رقاب العباد، فكلمتهم نافذة، وحُكمهم لا مردَّ له، نسوا طاعة الله وفرضوا طاعتهم. حرَّفوا تعاليم السماء، اجتهدوا في التوثيق لإثبات الحقائق، فانحرفوا عن جوهر الأديان، ولقصرٍ في الرؤية وجهلٍ في الوعي، اختلط الحقُّ بالباطل، وتألَّه المُجتهدون حتى نشأ عن إجتهادهم طوائفَ ومذاهب، أصبحت سبباً للتناحر والتقاتل، وإشعال الفتن، واضطرام الحروب، ساووا أنفسهم بالخالق في العلم والمعرفة ، لهم الطَّاعة ومنهم العفو والغفران، دائماً على حقّ في أرآءهم وتصرُّفاتهم، فوق الخطأ والمسآءلة، كلمتُهم مُستمدَّة من السماء، فيها الفصل، ممارسة الطقوس والشعائروالشرائع هي الطريق الأوحد لدخول ملكوت السماوات، لهم الجِنان وحور العين، كافرٌ من يخالفهم، والجحيم لمن ليس على ملَّتهم. يتملَّقون بعضهم البعض صواباً أو خطأً، عندهم الحقيقة المُطلقة، وما هذا إلاَّ بحجَّة أنَّهم الراسخون في العلم كما يزعمون. أسلمَ الناس لهم العقل قبل الجسد، إنتشر الجهل والتطرّف، ابتعدوا عن نور الحق،عن المعرفة الروحيَّة، غرفُوا من معين رجال الدين والدنيا، ضاعُوا بين تحليلاتهم النفعيَّة، ومصالحهم الشخصيَّة، ضلُّوا بين صراعاتهم ومفاهيمهم الدنيويَّة ، عاشُوا الحياة الدُّنيا بأفكارهم وتشريعاتهم، على أمل الفوز بالآخرة، وهذا ما لم ولن يكون.

تجلَّى فجراً نديَّاً على أزهارٍ تفتَّقت من براعم النور، يُرهفُ قلوباً مُفعمة بالإيمان، لا تنجرف وراء أضاليل تمخَّضت من عقولٍ جوفاء، لا ترَ في الدِّين إلاَّ تطرفاً لأفكارٍ نبويَّة حيكت كأثوابٍ تُزِّين للحاقدين إطاراً مُزَخْرَفاً لنفوسهم المريضة، وإشباعاً لغرورهم ونزواتهم، يأوِّلون آيات الله بما يتوهَّمونه من حقائق ثابتة ومُطلقة، يُفتنُ بها أعمياء البصيرة، يفسِّرون في الأديان ليجعلوا منها بُؤَرًا للأحقاد والكراهية ، يستقطبون بها المُنافقين ليصبحوا أدواتاً للقمع والترهيب. ثمَّ ينطلقون لنشر أفكارهم ومبادئهم الخاصَّة، مع عدائيَّةٍ مُطلقة غير مُبرَّرة لمن يُخالفهم، واستعمالهم وسائل إجراميَّة وإرهابيَّة لترويع الناس والمجتمع، فالحريَّةُ ألدَّ أعدائهم لأنَّها تُهدِّدُ وجودهم. ويعظُمُ الجَهل، فيستبيحون الأعراض، يأكلون مال الأيتام والأرامل، يشربون من دماء الضعفاء المساكين، يتسامرون على أنغام إبليس الرجيم، ويرقصون على أشلاء الحق والفضيلة، يعيثون فساداً في الأرض، ويزعمون أنهم وحدَهم الدُّعاة إلى الإصلاح والنهضة في المجتمعات، أبوا الاَّ التمسُّك بعرى الشيطان الوثيقة.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى فكراً مُرشداً للإنسان الباحثُ دوماً عن الألوهيَّة والتي هي ما وراء الأدراك البشريّ، وعن معرفة الله ربُّ الثواب والعقاب، أصلُ كلَّ معرفةٍ وقوَّة، قِبْلَة السعادة والخلود، عن معرفة الأرواح النقيَّة المجيدة وعوالمها، الخارجة عن قيود الزمان والمكان، عن العقل الإلهيّ المُدبِّر، الضابط لنواميس الكون، عن الأرواح التي لا تشوبها أيّةُ كثافة ماديَّة، إنبثقت عنها السيَّالات الروحيَّة التي اتَّخذت تجسُّدات ماديَّة في درجات مُختلفة، نتيجة نقصٍ ودنسٍ طارئين، يخبرنا عن عوالم لا يرقى إليها خيال البشر، تتمتَّع بحضاراتٍ راقية، يعلِّمُنا عن الجحيم والنعيم المُقسَّمة الى درجات روحيَّة ذات هناء ومعرفة، لا يدخلها إلاَّ من أوصل بعضٌ من سيَّالاته لدرجتها، ودركات جحيميَّة، يعظمُ فيها الجهل والعذاب، ويضمَّان بلايين النجوم والكواكب،  يخبرنا عن العدالةُ الإلهيَّة التي تشمل جميع الكائنات، معروفها ومجهولها، وإن رحمته لانهائيَّة، ولذلك كان التقمُّص بالمفهوم المُطلق والصحيح، ويشمل كل السيَّالات، وما الموت فناءً، بل إنتقالاً من شكلٍ الى آخر، يحصل بإنتقال سيَّاله الرئيسيّ والذي هو سبب وجوده في العالم الذي ينتمي إليه.يخبرنا عن آدم قبل أن تُجسِّده المشيئة الإلهيَّة في أرض البشر، وعن السَّماح لكائنات تنتمي الى عوالمٍ أخرى بزيارة كوكبنا لتلقيح بعضٍ من بنات البشر عن طريق الإقتران بهم، تُسهم في رقيُّهم ولدفع الحضارة الإنسانيَّة للتقدُّم. يخبرنا أنَّ لكلِّ كائنٍ دوره الخاص في دورة الحياة الكونيَّة، وما من عبثيَّة في الخلق مهما كان الكائنُ تافهاً.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى صوتاً صارخاً في السماء وفي الأرض، يُرشد الى سُبل الحق، يُنير طريق الباحثين عن الحقيقة، يُهدي الضَّالين والمُضلِّلين في فهم الحقائق الروحيَّة، يشرح الأختلافات في فهم الأديان التي تعاقب عليها الرُّسل والأنبياء، يوضّح التناقض فيما بينهم، يقرّب المفاهيم الإلهيَّة من عقولنا التي انجرفت مع التفسير والتحليل، والمُغالات في التعصُّب، مُحاولاً العودة بالمؤمنين الى دين الأنبياء، وليس أصحاب الأرآء التي أصبحت طوائف ومذاهب مع مرور الوقت، والتي لا تمتَ الى أصحاب الأديان بصلة. يُنير البصيرة حيث لا دلائل ماديَّة تُلمس، يفتح أفآقاً وأبعاداً روحيَّة ، ومفاهيماً مُغلقة على أصحاب العقول المُتحجِّرة، ينقضُ جهلاً عايشناه على مدى الأزمان، توارثناه عن الأهل والأجداد والأسلاف، اقتبسناه منْ قالٍ وقيلٍ بعيداً عن إثباتٍ ودليل، أضف إليها مصالح رجال الدين ورجال السياسة على مرِّ العصور.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى داعياً الى الله، خالق العوالم ومُكوِّنها، ربُّ البرايا وموجدها، حاملاً رسالةٍ روحيَّة، تدعو الإنسان بالعودة الى أصول الدين وجوهره، فالأديان جميعاً من مصدرٍ إلهيٍّ واحد، تجمعها روحٌ واحد، أساسها وصاياً عشر، هدفها زرع المحبَّة في نفوس البشر، والتمسُّك بروح الإنسانيَّة، فالإنسان أخ الإنسان، بعيداً عن العصبيَّة التي زرعها فينا رجال الدُّنيا وتجَّار الدين، وجهتها الخلاص من عوالم المادَّة، والعودة الى الأصل الإلهيّ في عوالم الأرواح الخالد ، عوالم السَّعادة والطمأنينة، عوالم السلام والمحبَّة الشاملة، عوالم الراحة الأبدية بعد رحلة الحياة المُملّة والمُضنية بالإبتعاد عن وجه النور الأعظم الذي لا تدركه العقول، نمجّده، نضرع إليه، وننحني لجبروته الإلهيّ، نخشع له مع الخاشعين، ونسبّح باسمه القدّوس مع الملائكة الأطهار.

أكتبُ كي لا ننسى عن نور حزيران الذي تجلّى نذيرٌ بدمار الكرة الأرضيَّة، وجَعْلِ عاليها سافلها، إن لم ترعَوي البشريَّة عن غيِّها، فالحياة وإن طالت قصيرة، والموت أقرب من الشهيق الى الزفير، هو إنتقالٌ النفس الى النفس، فيه الثواب والعقاب، لذنوبٍ إقترفناها في ساعاتِ ضُعف، وفاحشةٍ أتيناها في لحظةِ غباءٍ وقلَّةِ إدراك، شربنا من خمرة شياطيننا الطافحة باللذاذات الدنيويَّة الآنيَّة، مُتوغِّلين في مجاهل الرذيلة، غير مُدركين عواقبها، ولا آبهين بما ينتُج عنها، الكلٌ بما كَسِبَ رهينة، ولا مفرَّ من يوم الحساب، فاليَّدُ الإلهيَّة ورغم محبَّتِها لن تمحو ما أقترفناه طائعين مُختارين، والعين الإلهيَّة ورغم رحمتها لا تغفرَ لعصيانِ تعاليمِ السماء بأعمالٍ أتيناها بملء الإرادة والإدراك، فالألآم خير مُطهِّرٍ للنفوس، ولا بدَّ من دفع الثمن مهما طال ومهما عَظُم. فالقانون الإلهيّ والعدالة الإلهيَّة تأبى إلاَّ أن تستوفي الأجر كاملاً.

تجلَّى تحذيرٌ قبل الكارثة العُظمى، وحين لا ينفع التحذير، فالأحلامُ تُبدِّدُها اليقظة، والتقاعس لا ينفع، وغضب الله عزَّ وجلَّ يُمهل ولا يُهمل، وكل آتٍ قريب مهما طال الزمان، ولا يعصمُ الموتُ من أهوال الآخرة، ومن عذاب النفس ودينونتها، فالعودة الى الله، الى القيم السماويَّة، العودة الى الأخلاق الحميدة هي المُنقذ الوحيد للخلاص من العذاب الأبدي، للراحة الخالصة، مع الأنبياء والهداة، مع الخير والمحبَّة، مُحيلةً أتراحنا الى أفراح.

تجلّى نوراً على نور يُنيرُ قلوب المؤمنين المخلصين في هذا العالم، أصحاب العقول النيِّرة، الذين يستمدُّون من نورِه نورا يُغشي العيون المتحجّرة، يلجمُ ألألسنة المُتطاولة. يَرشفون من نوره إكسيراً روحيَّاً يُحيِ ميتَ الآمال، وخمراً سماويَّاً يُنعِشُ قلوب المؤمنين المُخلصين لله والحقيقة، يشدُّ أزرهم، ويثبِّتَ إيمانهم، ويزيدهم معرفةً نورانيَّة، لنشر كلمة السماء، دون مواربة أو تحريف، يُلهمهم الوعي الروحيّ لإذاعة رسالة الصّدق بين الناس، دون غاياتٍ أو مصالح، لتحقيق الإصلاح الحقيقيّ، وخلاص البشر. يستزيدون من معرفته بياناً، ومن علمه إعجازاً، كُتُبٌ وتعاليمٌ ووصايا أُنزلت في قرطاسٍ في لحظة تجلّي، فكانت زاداً تُشبِع الجائعون لخبز السماء، يُطّلون به على العلمِ والعلماءِ والعالم بمعرفةٍ تبزُّ علمهم وعلماؤهم وتقرّع حجَجهم بحقائق دامغة، لا لبس فيها ولا غموض.

نور حزيران يأخذُ بمجامع القلوب الحزينة، يُنير جنباتها المُظّلمة، يؤجِّجَ نار الإيمان في ثناياها، يلقي فيها علماً يساعدها في سبْرِ سُبُل الحقّ، وحبّ الجمال، وعمل الخير، يُعيد إليها الثِّقة بعدالة السماء. ينشرُ فيها صفحاتٌ من نور لينتشلها من بؤرة السقوط، هذه القلوب وحدها تقف مع الحقّ، ومع الحقِّ تكون، تعيشه، تُجاهد في سبيله، وتُضحِّي من أجله فقط، ترفع راية التآخي الروحيّ، تشملها السكينة ، تعمُّها السلام والمحبَّة، تُصدق العمل، وتُحسن السلوك أنَّى كانت، تُجسِّد إيمانها أعمالاً والتزاماً وسيراً في طريق السماء، لتكونَ قدوةً للآخرين، مِثالاً في الأخلاق، رقيَّاً في التعاطي، تنصحُ بحبٍّ، وتهدي بمودَّة، فالعملُ خيراً من القول، تُثير فضول الناس، ينجذِبوا إليها لمعرفتها ومعرفة أبعادها، يتسآءلون فَيَسْألون، تُفيدُ فتستفيد، تُنيرُ طريقاً، وتهدي ضَّالاً، تساعد في فهم الأديان وجوهرها، تقرِّبها الى العقول، تستحثُّ للإلتزام بتقوى الله عزَّ وجلّ، تزيد الآخرين أيماناً بالسماء ونُظمها السامية، وإعادة النظر في مفاهيمٍ موروثة، بها يُرشدون إلى الحقائق الروحيَّة من خلال تعاليم مُرشدها وهاديها، تنشر كلمته المُوحاة من السماء لآبناء الأرض، تُتابع مسيرته رغم الصِّعاب التي تعترضها، ولا تتزحزح عن معتقداتها التي أصبحت دستوراً إلهياً يُهديها وعثاء الطريق المُقفرة.

النبيّ الحبيب الهادي، داهش العالمين، هو نور حزيران، نبيُّ الله، آخذٌ العهد على نفسه، أمام الله عزَّ وجَلّ والآب السماويّ، ليُعيدنا الى عوالم الأرواح، يهدينا ويرشدنا الى نوره، يحرِّر ذاتنا من تكثُّفاتها الماديَّة، يجذبنا الى عالمه، نهاية اللطافة المادَّية، ينتظرنا هناك لنعود معاً الى حُضن الله، من حيث بداية الإنطلاق.

كل عام وأنتم بخير

حسين يونس

 

إقرأ أكثر

منبر القرَّاء

المياه النميرة

في الرسالة الداهشية العزاء في الحبيب الهادي
هو شعاع نور من نجم تخطى شعاعه سهام الأعادي
قَمَرٌ يَضْوي فَوقَ سَمَاءك
تَحْجُبُهُ سُحُبٌ كِسـتَارٍ مِـنْ أَعْمـِدَةِ دُخَانٍ أبْيَضْ
يَتَصَاعَدْ مـِنْ فَوْقِ تِلَالِكْ
والْلَّوْنُ الْأَخْضَرَ يَبْدُوا كَالْعُتْمْ،

هدف المجلّة

في عصر التقدُّم التكنولوجي والتطوُّر السريع، وتماشيَّاً مع الثورة الرقميَّة في طريقة نشر المعلومات، والتكيُّف مع إحتياجات العصر الرقمي وتحوُّل الصحافة التقليدية، برزت المجلَّة الإلكترونيَّة، تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنيَّة، وتربط الأفراد في جميع أنحاء العالم،كوسيلة إعلاميَّة وديناميكيَّة وتفاعليَّة لتوصيل المحتوى ومُشاركته مع أكبر عددٍ من القرَّاء، أصحاب العلم ومُحبِّي المعرفة والباحثين عن الحقيقة، في أقصر وقتٍ ممكن.

ومع ظهور هذا الكَّمِّ الهائل من وسائل الإعلام والتواصل العالمي والتبادل الثقافي، لنشر الثقافات ووجهات النظر والأفكار المتنوعة، وبغياب الرقابة والمهنيَّة والموضوعيَّة في النشر، كَثُرَ انتشار المعلومات الخاطئة والأخبار المُزيَّفة، مما يُسلِّط الضوء على أهمية محو الأمية الإعلاميَّة، والحاجة الى الاعتبارات الأخلاقيَّة.

كان لا بُدَّ لنا من فتحِ نافذةً نطلُّ بها على هذا العالم المليء بالتحديَّات إثراءً للنسيج العالمي للفكر الإنسانيّ والتجربة الإنسانيَّة، بإنشاء مجلَّة فكريَّة ثقافيَّة هادفة، تتجاوز الحدود التقليديَّة، تحتضن ثراء الفكر وتوفّر منصَّة لتبادلِ الأفكارِ العميقة والمواضيع المثيرة للثقافة الإنسانيَّة، فكانت مجلَّة نارٌ ونور.

مجلَّة نارٌ ونور، ليس مجرَّد خيار؛ بل هو تعبير عن التزام وتقدير، عربون وفاء لصاحب الوعي الروُّحيّ، إلقاء الضوء على المفهوم الداهشيّ وإظهار الصورة الحقيقة لصاحبه، بنشر تعاليمه وكتاباته التي تجاوزت فيها مؤلَّفاته المئة والخمسين مُجلَّداً، صاحب الرسالة الروحيَّة التي تحمَّل في سبيلها الأمرَّين، غريبٌ في أرضٍ غريبة، يعيشُ الحياة المُثلى، يحمل على جراحه وآلامه نور الهداية للعالم. تدخل رِحاب معبده المُقدَّس لتقفَ وجهاً لوجه أمام الحقيقة الصَّادقة الصَّادمة.

مجلَّة نارٌ ونور، مساحةٌ يلتقي فيها العمق بالجوهر لتعزيز النمو الفكريّ، وتقديم نماذج للفكر والأدب الراقي، بعيداً عن سطحيَّة الكلمة في السرد الثقافي، وتفتح المجال واسعاً أمام القرَّاء بتوسيع وجهات نظرهم والإنخراط في تفكيرٍ يتخطَّى المعقول، كما تحفيزهم على التفكير والكتابة. وذلك من خلال نشر الأبحاث والدراسات والمقالات التي تتناول مختلف المواضيع الفكرية والثقافية من منظورٍ إنسانيّ وروحيّ وتحليلها بشكلٍ أكثر عمقًا.

في قلب مجلَّة نارٌ ونور، تكمن مهمة التنوير العميقة. تسعى جاهدة لجمعِ أقلام الداهشيِّين من أدباءٍ وشعراءٍ وأصحاب فكرٍ، شتَّتهم الأيام، وأبعدتهم المسافات، فأصبحوا غرباءً في عالمهم. تفتح لهم نافذةً للتعبير عن تجاربهم مع الحقيقة، تُلامس مشاعرهم بالتواصل العميق للرُّوح والنَّفس، تُحاكي إنسانيَّتهم بشكلٍ فعّال مع الحياة والوجود، ومشاركتهم معرفتهم الروحيَّة المُقتبسة من النبي الحبيب الهادي.

مجلَّة نارٌ ونور، نورٌ لا نار فيها، أنوارٌ ساطعةٌ باهرة تنشُرها أمام عقول قرائها، تقدِّم مجموعة متنوعة من وجهات النظر والأفكار والرؤى الثقافية، بهدف إحياء وتجديد إيمان الإنسان بالله والقيم الروحيَّة، في الحقيقة والنَّفس والرُّوح، مفاهيمٌ لم يألِفوها، بعيدة عن الغوغائيَّة الكلاميَّة، مدعومة بالبراهين الساطعة، مؤيَّدة بالتزامٍ أخلاقي في السرد والنقل والشهادة. تفتح المجال في السؤال والجواب، للساعين وراء المعرفة، بالتواصل المُباشر مع أصحاب الآراء والكتابات والمقالات.

مجلَّة نارٌ ونور، توفّر منصَّة للفنانين، تُشجِّع المُبدعين، تفتح فرصة لعرض وتقديم وتسليط الضوء على إبداعهم في المجال الفنِّي، سواء كانت لوحات فنيَّة، صور فوتوغرافية، أو أي نوع آخر من الفنون التشكيليَّة. تُساعد في فهم خلفياتهم الفنيَّة وإلهام القرَّاء بتفاصيل حياتهم، تنشر مقالات وتحليلات تقييميَّة لأعمالهم، مما يساهم في إبراز الجوانب الفنيَّة والفلسفيَّة لها، ويساعد في توجيه القراء نحو فهم عميق للفن.

 

هيئة التحرير.

إقرأ أكثر

روابط

لو كانت الحقيقة وشقيقتها العدالة تقطنان هذا العالم , لكانت الأرض ترفل بحلل من السعادة ولسادت الطمأنينة هذا الكون .

الدكتور داهش

2024 © All Rights Reserved

Alexandria, Virginia 

info@lightandfire.net 

error: Content is protected !!